يفتح في علامة تبويب جديدة
دخول / الملف الشخصي

من هو أبولودوروس الدمشقي؟ وما هي إنجازاته؟

عمود تراجان وبقايا أعمدة منتداه وسط مباني روما وأشجار الصنوبر
منتدى تراجان وعموده في روما. تصوير Wiki ktulu، عبر Wikimedia Commons، بترخيص CC BY 3.0. نسخة مصغرة بلا اقتصاص أو تركيب.

سيرة أبولودوروس الدمشقي وأعماله المعمارية، وحدود نسبتها إليه، ورواية خلافه مع هادريان.

بين بقايا منتدى تراجان في روما وعموده الذي تلتف حوله المشاهد المنحوتة، يتكرر اسم رجل جاء من دمشق. لكن تتبع أبولودوروس الدمشقي لا يشبه قراءة سيرة مكتملة؛ فبعض أخباره وصل من مؤرخين قدماء، وبعض الأعمال المنسوبة إليه ما زال محل نقاش. فما الذي تكشفه هذه الآثار عن صاحب هذا الاسم؟

حياة أبولودوروس الدمشقي وعمله مع تراجان

لا يحفظ لنا التاريخ الكثير عن حياة أبولودوروس الدمشقي. يرتبط اسمه بمدينة دمشق القديمة، التي تقع في سوريا الحالية وكانت ضمن العالم الروماني، لكن التاريخ الدقيق لميلاده وحياته المبكرة غير معروف. أما أصله العائلي، فلا يصح الجزم به اعتمادًا على اسمه اليوناني أو المدينة المنسوب إليها وحدهما.

كان المهندس المعماري للإمبراطور الروماني تراجان، واشتهر بإنجازاته المعمارية والهندسية. وتركز نشاطه المعروف في أوائل القرن الثاني الميلادي. وقد جمع عمله بين العمارة والهندسة العسكرية وتنفيذ المشروعات الكبيرة.

خلال فترة عمله مع تراجان، ارتبط اسمه بالعديد من المشاريع المعمارية والهندسية المهمة، من بينها منتدى تراجان في روما وجسره فوق نهر الدانوب. وهما مشروعان مختلفان في المكان والوظيفة؛ فالجسر لم يكن جزءًا من منتدى تراجان، بل أنشئ بعيدًا عن روما لخدمة تحركات الجيش.

أبرز إنجازات أبولودوروس الدمشقي

منتدى تراجان: مجمع في قلب روما

من أشهر أعماله منتدى تراجان بروما، الذي افتتح سنة 112م. والمنتدى هنا ليس مبنى واحدًا، بل مجمعًا يضم ساحة كبيرة وأروقة ومباني عامة. ويحدد متحف أسواق تراجان أبولودوروس بوصفه معماري هذا المشروع، الذي احتاج إلى أعمال واسعة لتهيئة الأرض عند التلال المحيطة.

تضمن هذا المجمع عمود تراجان، وهو عمود رخامي ضخم تم تزيينه بإفريز حلزوني يصور مشاهد من حملات تراجان العسكرية في داسيا، وهي منطقة يقع معظمها في رومانيا الحالية. وقد افتتح العمود سنة 113م، أي بعد افتتاح المنتدى بعام.

وكانت بازيليكا أولبيا، وهي مبنى عام ضخم، من أبرز عناصر المنتدى، بينما قام العمود خلفها بين مبنيين يُفسَّران عادة بأنهما مكتبتان. وتوضح هذه العناصر حجم المشروع الذي كان على معماره تنظيمه.

عمود تراجان الرخامي في روما والنقوش الحلزونية التي تلتف حوله
عمود تراجان، الذي افتتح سنة 113م ضمن مجمع المنتدى. ارتباط أبولودوروس بالمشروع لا يثبت أنه نحت جميع مشاهده بنفسه.

أسواق تراجان: أكثر من متاجر

يرتبط اسمه أيضًا بأسواق تراجان، وهو مجمع كبير من المباني متعددة المستويات على جانب تل كويرينال في روما. ونسبة تصميمه إلى أبولودوروس شائعة، لكنها تُعرض في وصف المتحف باعتبارها نسبة تقليدية، لا حقيقة موثقة بالدرجة نفسها التي نملكها عن المنتدى.

كما أن الاسم الحديث «أسواق تراجان» لا يعني أن كل حجراته كانت متاجر. فوجود غرف تشبه الحوانيت لا يكفي وحده لإثبات وظيفة تجارية للمجمع كله. ويرجح المتحف أنه كان مركزًا متعدد الوظائف، احتوى على مكاتب وأماكن لحفظ السجلات وأنشطة عامة مرتبطة بالمنتدى.

المباني المتدرجة والأروقة المقوسة في مجمع أسواق تراجان بروما
أسواق تراجان على جانب تل كويرينال. كانت وظائف المجمع أوسع من البيع والشراء، ونسبته إلى أبولودوروس تقليدية.

جسر تراجان فوق نهر الدانوب

مشروع آخر بارز لأبولودوروس هو جسر تراجان فوق نهر الدانوب، الذي أُنشئ نحو سنة 104م، قبيل الحرب الداقية الثانية التي بدأت سنة 105م. ويربط بروكوبيوس، في كتابه «الأبنية»، اسم أبولودوروس مباشرة بإنشائه.

كان هذا الجسر يعتبر أعجوبة هندسية في ذلك الوقت. فقد تجاوز طوله الإجمالي 1100 متر. واعتمد على دعامات حجرية تعلوها منشآت خشبية، ولم يكن جسرًا حجريًا كاملًا على الصورة التي قد توحي بها بعض الصور المتداولة.

اقرأ ايضا
اتهام العلماء والفلاسفة بالكفر: ماذا تثبت ست روايات؟

وصف كاسيوس ديو عشرين دعامة حجرية، وأبدى إعجابه بصعوبة إقامتها في نهر عميق سريع الجريان. وكانت أهميته العملية في تسهيل عبور القوات والإمدادات. أما اليوم فلا يبقى الجسر كاملًا صالحًا للعبور، ولذلك ينبغي التمييز بين آثاره أو رسوم إعادة بنائه وبين صور جسور رومانية أخرى.

تفصيل من نسخة جبسية يظهر مشهد تدشين جسر الدانوب وشخصيات تقدم القرابين وتفاصيل الجسر في الأعلى
تفصيل من نسخة جبسية لنقوش عمود تراجان في المتحف الوطني لتاريخ رومانيا ببخارست، يصور تدشين جسر الدانوب. تظهر تفاصيل الجسر فوق الشخصيات؛ والصورة لنسخة متحفية من النقش، وليست للجسر قائمًا أو لحجارته الأصلية في روما. تصوير Joe Mabel، 4 أكتوبر 2024، بترخيص CC BY-SA 4.0. صُغّرت وحُوّلت إلى WebP دون قص؛ النسخة بالترخيص نفسه.

هل صمم البانثيون؟

يتكرر اسم أبولودوروس أيضًا عند الحديث عن البانثيون في روما. لكن نسبته إليه أقل يقينًا من نسبة منتدى تراجان والجسر. فدوره في تصميم المبنى الحالي احتمال مطروح، وليس حقيقة يمكن تقديمها للقارئ بلا تحفظ.

كذلك لم يكن ما جرى للبانثيون مجرد إضافة شرفة مدخل أو حنية جديدة مع بقاء المبنى الأصلي كما هو. فقد تعرض المبنى السابق للحرائق، ثم أعيد بناؤه في صورته الرومانية المعروفة، واكتمل في عهد هادريان. وتناقش الدراسات احتمال بدء المشروع قبل ذلك في عهد تراجان.

لذلك لا يصح أن نحدد عناصر بعينها، مثل رواق المدخل، وننسب إضافتها إلى أبولودوروس بثقة، ما دام اسم مصمم البانثيون ودوره الدقيق لم يُحسما.

الواجهة ذات الأعمدة ورواق مدخل البانثيون في روما
البانثيون في روما. اكتمال المبنى في عهد هادريان لا يحسم هوية معماره، ونسبته إلى أبولودوروس تبقى غير مؤكدة.

هل صمم نقوش عمود تراجان بنفسه؟

تلفت نقوش عمود تراجان النظر بتفاصيلها وكثرة مشاهدها. لكن الإعجاب بها لا يكفي لإسناد تصميم جميع المشاهد أو نحتها إلى شخص بعينه.

هناك فرق بين الإشراف المعماري على مجمع يضم العمود، ووضع البرنامج الفني لنقوشه، والعمل الفعلي للنحاتين. وقد يكون لأبولودوروس دور في مشروع العمود، لكن حدود هذا الدور ليست واضحة بما يسمح بالقول إنه صاحب كل المنحوتات والعناصر الزخرفية.

نظرة على اتجاهه الفني والهندسي

تُظهر هذه المشاريع مهارته وموهبته في العمارة والهندسة، وقدرته على التعامل مع الأشغال العامة على نطاق واسع. وتبرز أهميته حين ننظر إلى اختلاف المشكلات التي ارتبط اسمه بحلها: تنظيم مجمع مدني كبير في روما، وإنشاء معبر عسكري فوق نهر واسع.

أما الحكم بأن تصميماته افتقرت إلى الأصالة لأنه استخدم النماذج الرومانية المعروفة، فيحتاج إلى دليل ومقارنة محددة. فاستخدام تقاليد معمارية قائمة لا يعني غياب الابتكار، كما أن نقص المعلومات عن توزيع العمل بين المعماري والمهندسين والنحاتين يحد من قدرتنا على نسبة كل تفصيل إليه.

ويُنسب إليه أيضًا مؤلف عن آلات الحصار يُعرف باسم «بوليوركيتيكا». وقد وصل عبر تقاليد مخطوطة لاحقة، وتوجد مناقشات علمية حول تأليفه والإضافات التي دخلت نصه. وهو يضيف جانبًا عسكريًا إلى صورته، دون أن يجعل كل آلة وردت فيه اختراعًا ثابتًا له.

جسر ألكانتارا الحجري في إسبانيا بأقواسه وقوس النصر القائم فوقه
جسر ألكانتارا في إسبانيا، مثال مقارن على هندسة الجسور الرومانية، وليس جسر تراجان على الدانوب. لا تُنسب هذه الصورة إلى أعمال أبولودوروس.

ماذا نعرف عن خلافه مع هادريان ووفاته؟

على الرغم من قلة التفاصيل الشخصية، توجد رواية قديمة مشهورة عن أبولودوروس.

يروي كاسيوس ديو في الكتاب 69 من «التاريخ الروماني» أن هادريان نفى أبولودوروس ثم أمر بقتله، ويربط ذلك بخلاف قديم بينهما وانتقاد المعماري تصميم معبد فينوس وروما. وقد كتب ديو بعد عصر هادريان، ولم يكن شاهدًا على هذه الوقائع؛ لذا ينبغي قراءة الحكاية بوصفها رواية تاريخية متأخرة، لا سجلًا معاصرًا ثبتت جميع تفاصيله.

وقد ناقش باحثون صحة هذه الحكاية وتفسيرها. لهذا لا نعتمد عليها وحدها لتحديد تاريخ وفاة دقيق أو بناء صورة كاملة لعلاقته بالإمبراطور. وما نعرفه عن مشروعاته أوضح مما نعرفه عن سنواته الأخيرة.

ما الذي يبقى من إنجازاته؟

أبولودوروس الدمشقي واحد من الأسماء البارزة التي حفظها تاريخ العمارة والهندسة الرومانية، وأقوى ما يربط اسمه بالمشروعات الكبرى هو منتدى تراجان وجسر الدانوب. أما الأسواق والبانثيون والتفاصيل الفنية للعمود، فتحتاج نسبة كل منها إلى درجة التحفظ المناسبة.

وبهذا تتضح قيمته دون الحاجة إلى إسناد كل مبنى مشهور إليه: معماري ومهندس ارتبط بمشروعات واسعة الأثر، بينما ظلت أجزاء من سيرته وحدود دوره في بعض الأعمال غير محسومة.

اقرأ ايضا
تأثير دوبلر وتمدد الموجات: من صفارة القطار إلى ضوء المجرات

مصادر مختارة

اترك أول تعليق

تسجيل الدخول إلى عالم تاني

نسيت كلمة المرور؟