in

رواية دموع صاحبة الجلالة – موسى صبري

من الصفحة الأولي يحاول موسى صبرى حسم الأمر لكى لا يشغل القارئ فكره عن هوية الشخصيات الواردة بالرواية في رواية دموع صاحبة الجلالة نفسها ، وذلك بقوله بأن هذه الرواية يمكن أن تقع أحداثها فى أى زمان تصدر فيه صحف، أما عن أبطالها فذكر إمكانية أن تعثر عليهم فى أية صحيفة تصدر فى أى مكان!
وللحق، حاولت أن أنفذ نصيحة موسى صبرى تلك، لكن بالتأكيد هذا لم يستغرق أكثر من نصف صفحة !
أبطال رواية دموع صاحبة الجلالة الرئيسيون ثلاثة، محفوظ عجب الشخص الساخط على المجتمع وكل من حوله، تجمعت فيه كل عقد النقص كالنفاق والوصولية والخيانة والإعراض عن الأهل واللعب على كل الحبال.
اختلف الكثيرين من النقادفيمن يكون مقصد موسى صبري من الشخصية ! لكن لو وضعتم لى ألف عقل على عقلى ما خرج الأمر بعيداً عن محمد حسنين هيكل، وغير صحيح أنه مزج عدة شخصيات فى شخصية محفوظ..
الشخصية الثانية: عبدالعظيم بك، رئيس التحرير الناجح صاحب جريدة الأسرار الأوسع انتشاراً، أستاذ الصحافة صاحب المغامرات النسائية وسياسة اللعب مع الورقة الرابحة، وهو مزيج من شخصية محمد التابعى ومصطفى أمين..
الشخصية الثالثة: آمال صدقى، الصحفية الناجحة ذات الشخصية القوية التى تساعد محفوظ كثيراً حتى أثبت نفسه ليكافئها فى النهاية بالإرشاد عنها وعن تنظيمها الاشتراكى، وموسى صبرى هنا يقصد بآمال (حرية الصحافة) لا شخصية من لحم ودم..
فى الأحداث يقدم صبرى تصوير نابض للحياة الصحفية داخل جريدة كبرى بشكل مدهش، وهو يشبه إلى حد كبير طريقة سرد علاء الأسوانى فى تصوير الشخصيات ونفسيتها وعيوبها ومميزاتها بشكل يهيأ للقارئ بأنه يعرفه تمام المعرفة.
ولا ينس الكاتب موسى صبرى بالطبع دس ما يريد أن يطرحه من رؤيته السياسية وأحداثها ورجالها دون مباشرة، فلم ينس تصوير أنور الساعاتى أو السادات بالطبع ليكون الشخصية الأبرز والأهم المحركة لتنظيم الضباط الأحرار بدون وجود تام عبدالناصر باستثناء لقطات عابرة !
وكان مدهشاً منه وضوحه الصادم فى انتقاد أستاذه وصديقه القديم مصطفى أمين على لسان شخصية عبدالعظيم بك الذى يلعب على جميع الحبال، وتحويل جريدة الأسرار لبوق للقصر وتصوير الملك بالفدائى الأول، والمواطن الأول !
لكن ظنى أن هذا كان لصدمته فى أمين عندما شن حملة هجومية على الرئيس السادات بعد وفاته، دون رد لجميل إخراجه من السجن !
أما لقصة خلاف موسى صبرى بهيكل فلا أعلم أو لا أظن أن أحد يعلم سبب بداية هذه العداوة !
ربما ما ذكره فى كتابه الضخم (خمسين عاماً فى قطار الصحافة) يوضح بعض الأسباب، فقد ذكر أن مصطفى أمين رفض أن يعينه رئيساً لتحرير جريدة الأخبار مراعاة لعدم إغضاب محمد حسنين هيكل، وقبل ذلك رفضوا رفع مرتبه في مجلة آخر ساعة حتى لا يتقاضى راتب أكبر من محمد حسنين هيكل، ومرة أخرى يرفض إحسان عبد القدوس وكان رئيس أخبار اليوم فى الستينات نشر مقال له لأنه يهاجم فيه الكاتب محمد حسنين هيكل.
ولم تتوقف إتهامات موسى صبرى منذ رحيل محمد حسنين هيكل عن الأهرام فى بدايات 1974، منها تأكيده أن هيكل هو الذى تسبب فى إعتقال مصطفى أمين ليخلوا له الجو ويصبح الصحفى الأول!
بل وصل الأمر فى كتابه (وثائق 15 مايو) أن يضع محمد حسنين هيكل كمركز قوى جنباً إلى جنب مع على صبرى وشعراوى جمعة وسامى شرف والفريق فوزى، وهو الذى سماه السادات نفسه مهندس ثورة مايو!
فى المقابل كان محمد حسنين هيكل كعادته لا يرد على إتهامات المهاجمين والمنتقدين له، (ترفعاً منه)، لكنه لم يترك موسى صبرى مع تأثير موقعه إلا ويحكى واقعة مدهشة لمعظم المقربين منه لا أعلم مدى صحتها، ملخصها: أن موسى صبري اتصل به يوماً وقال له: يا افندم حدثت مشكلة لا أعرف كيف أتعامل معها، لقد اتصل بي أمين الإتحاد الإشتراكى فى القاهرة عبدالمجيد فريد وقال لى أن على صبرى لا يريدنى صحفياً فى أخبار اليوم – وكان هيكل وقتها مشرفاً على أخبار اليوم بجوار الأهرام بعد عزل خالد محيى الدين منها فى الستينيات – وقد رد هيكل على موسى قائلا: يا موسى.. انت بتأخذ أوامرك من مين؟ منى أم من الإتحاد الإشتراكى؟.. ابقى فى مكانك وإنس كل ما سمعت !.
واتصل هيكل بإدارة تحرير الأخبار وسأل سكرتير التحرير عبدالسلام داود: متى ينشر موسى صبرى يومياته فى الصفحة الأخيرة ؟. وجاء الرد: موعده غداً.. لكنه خاف أن يكتبها. فقال هيكل: دعه يكتبها. فقال عبدالسلام داود: مفيش وقت.. المطبعة تنتظر على عجل.. فسأل هيكل: ومن كتب اليوميات بدلا منه؟. وعرف أنه أحمد زين، فطلب رفع إسم أحمد زين من على يومياته ووضع إسم موسى صبرى عليها حتى لا يبدو أن تهديد الإتحاد الإشتراكى قد أثمر.
وفى اليوم التالى تلقى هيكل مكالمة من موسى صبرى يرفض فيها الذى حدث!
ويذكر هيكل أيضاً ضمن ما يذكر أنه قد رفع مرتب موسى صبري من 3600 جنيه إلى 5000 جنيه فى السنة وعينه رئيساً للتحرير، ولم أقف على حقيقة لهذا الإدعاء للأمانة.
ويذكر البعض أيضاً أنه فور نشر بعض فصول الرواية مسلسلة فى الأخبار طلب الكاتب الناصرى الشهير محمود عوض من حسنين هيكل رفع دعوى قضائية على موسى صبرى لتصويرهم فى شخصية محفوظ عجب بما فيها من تشويه واتهام، وعوض كان على خلاف قديم مع موسى صبرى لفصل الأخير لعوض من منصبه بدعوى عدم التزامه، وكذلك لأنه استخدم أول حرفين من إسمه فى أول حرفين من شخصية محفوظ عجب، لكن هيكل رفض دعوة عوض بحسم !
يذكر أن موسى صبرى بعد نشر الرواية بعامين تقريباً كان على فراش الموت وطلب رؤية هيكل بعد دعوة من البعض لتصفية النفوس وإنهاءاً للخلاف القديم لكن رفض هيكل زيارته، وتوفى صبرى فى يناير 1992 عن عمر ناهز السابعة والستين.
الرواية مدهشة بحق، سلسة وسريعة الأحداث لا مكان فيها للملل، تعمدت عدم حرق أحداثها ليستمتع بها من سيقرأها، وهى صالحة بشدة للقراءة حتى الآن.  يذكر أن الرواية تحولت سريعاً لفيلم سينمائى ومسلسل تلفزيونى وإذاعى.
تقييم نهائى: أربعة نجمات.
بقلم Ibrahim Hamed

اخبرنا برأيك ؟

118 نقاط
Upvote Downvote

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Comment moderation is enabled. Your comment may take some time to appear.

رواية فردقان للكاتب يوسف زيدان

كتاب السؤال الحائر – مصطفي محمود