in

انشراح على موسي – عملاء الموساد

انشراح على موسي - عملاء الموساد - عالم تاني

في مدينة المنيا ولدت انشراح علي موسى عام ١٩٣٧ لأسرة متوسطة الحال .. وبرغم التقاليد المتزمتة في ذلك الوقت دخلت الفتاة الصعيدية المدرسة وواصلت تعليمها حتى حصلت على الشهادة الاعدادية عام ١٩٥١.

وبعد نجاحها بأيام قليلة أراد والدها مكافأتها فاصطحبها معه إلى القاهرة لحضور حفل عرس أحد أقاربه.

و في حفل العرس تعرفت علي زوجها المستقبلي إبراهيم سعيد شاهين ابن العريش المولود عام ١٩٢٩ الذي ما غادر الحفل إلا و عرف عنها كل شيء وبعد أيام قلائل فوجئت به يطرق باب بيتها في المنيا برفقته والده طارت انشراح من السعادة وحلقت بين السحب بخيالها تستطلع مستقبلها الهنيء

وانزعجت الفتاة الصغيرة عندما اعترضت والدتها في أمر زواجها منه متعلله ببعد المسافة بين المنيا والعريش وبكت بحرقة وهي ترى أحلامها الوردية تكاد أن تحقق ثم سرعان ما تنهار في ذات الوقت دون أن تقدر على عمل شيء

إلا ان ابيها كان له رأي مخالف ووافق علي إتمام الزيجه و سرعان ما أعلنت الخطبة..

وفي أول حديث مع خطيبها صارحته بأنها أعجبت به مذ ان رأته في حفل القاهرة وازداد إعجابها به حينما سعى وراءها حتى المنيا ليطلب يدها.

وفي حفل بسيط انتقلت انشراح إلى بيت الزوجية في العريش مع زوجها ابراهيم

كان إبراهيم شاهين يعمل كاتب حسابات بمكتب مديرية العمل بالعريش وهو أيضاً لم يحصل سوى على الإعدادية مثلها لذلك اتفق وانشراح على أن يواصل أولادهما تعليمهم حتى أعلى الشهادات العلميّة وأصبح هذا الأمل هو هدفهما الذي يسعيان اليه ويعملان على تحقيقه مهما كانت الظّروف

في أواخر عام ١٩٥٥ زرقا بمولدهما الأول “نبيل”… ثم جاء المولود الثاني محمد عام ١٩٥٦، ثم عادل في ١٩٥٨

وفي عام ١٩٦٣ – وكما اتفقا من قبل – أرسلا بأولادهما إلى عمهم بالقاهرة ليواصلوا الدراسة هناك وليعيشوا حياة رغدة بعيداً عن مظاهرة البداوة وظروف الحياة الأقل حظاً من العاصمة.. وفي أكتوبر ١٩٦٦ ضبط إبراهيم يتلقى الرشوة وحبس ثلاثة أشهر خرج بعدها ليكتشف مدى قسوة الظروف التي تمر به والمعاناة الشديدة في السعي نحو تحقيق آماله في الارتقاء والثراء.

في يونيو ١٩٦٧ اجتاحت إسرائيل سيناء واحتلتها و أغلقت فجأة أبواب السبل أمام السفر إلى القاهرة فتأزمت انشراح نفسياً قلقاً على أولادها

هكذا ظلت انشراح تبكي معظم الليل والنهار و وجد إبراهيم أن الحياة في العريش كما لو كانت في الأسر فالحزن يخيم على البيت والمعيشة أضحت في أسوأ حال فمنذ الغزو وهو عاطل عن العمل لا يملك المال الذي يشتري به أبسط الأشياء

وسط هذا المناخ كانت المخابرات الإسرائيلية تعمل بنشاط زائد و تسعى لتصيد العملاء بسبب الضغوط المعيشية الصعبة وظروف الاحتلال… فالاحتلال الفجائي لسيناء وقع على سكانها كالصاعقة، فاختنقت نفوس الأهالي برغم اتساع مساحات الأرض والجبال… ولكونهم ذوي تقاليد بدوية ومحبين للحركة والتجوال والتنقل، أحسوا بثقل الأمر ولم يطيقونه … لكن الظروف التي وضعوا فيها اضطرتهم إلى محاولة تحملها لثقتهم أنها أزمة لن تطول. لكن ما كان يحز في نفوسهم هو تضييق الخناق عليهم في المعيشة والتنقل.. فكانت التصاريح التي يمنحها الحاكم العسكري الإسرائيلي لا تتم بسهولة… وأصبح السفر إلى القاهرة يحتاج لمعجزة من السماء. فالتعنت في منح التصاريح بلغ منتهاه.. واشتدت عضات الغضب في الصدور.. إلى جانب آلام الجوع التي تنهش الأبدان وتجتث الصبر والقوة.

ضاقت الحياة باتساعها على إبراهيم وانشراح في العريش.. وخلا البيت من الطعام والشراب والسرور… وخيمت قتامة سوداوية على نفسيهما… فازدادا يأساً وشوقاً إلى الأبناء في العاصمة.. وأمام البكاء المستمر الذي تورمت له عينا انشراح… اندفع ابراهيم إلى مكتب الحاكم العسكري يطلب تصريحاً له ولزوجته بالسفر إلى القاهرة.

ولما ماطلوه كثيراً بوعود كاذبة .. صرخ في وجه الضابط الاسرائيلي قائلاً إنه فقد عمله ودخله ولا يملك قوت يومه… فطمأنه الضابط “أبو نعيم” ووعده بالنظر في أمر التصريح في أسرع وقت… وبعد حديث طويل بينهما حاول ابراهيم خلاله التقرب اليه لإنجاز التصريح… أمر له أبو نعيم بجوال من الدقيق وبعض أكياس الشاي والسكر… فحملها فرحاً إلى زوجته وهو يزف اليها السفر إلى القاهرة عما قريب.

استبشرت انشراح خيراً وغمرتها السعادة بما جاءها به، وغاصت في أحلامها وتخيلاتها باللقاء الحميم مع فلذات أكبادها. لكن الأيام تمر وأبو نعيم يعد ولا ينفذ .. ويعود إبراهيم في كل مرة محبطاً… لكنه كان يحمل معه دائماً أكياس المواد التموينية التي أصبحت هي المصدر الوحيد للإعاشة.. ولولاها لمات جوعاً هو وزوجته.

وذات صباح فوجئ بمن يستدعيه لمكتب أبو نعيم.. فذهب اليه في الحال وقدم له الشكر على الإعانة الدورية التي يمنحها له.. فأخبره الضابط بأن الحاكم العسكي وافق على منحه تصريح السفر هو وزوجته..

تهلل وجه ابراهيم بشراً وقبل ظهر يده شكراً لله.. فباغته أبو نعيم وقال له بأن موافقة الحاكم العسكري جاءت بشرط أن يكون متعاوناً ويأتيه بأسعار الفاكهة والخضروات في مصر.. والحالة الاقتصادية للبلد بواسطة أخيه الذي يعمل بالاستيراد والتصدير.

أجاب إبراهيم على الفور أن الشرط بسيط للغاية… فبإمكانه القيام بهذه المسألة خير قيام… وأضاف بأنه سيأتيهم بأسعار السلع الاستهلاكية والبقالة والسمك أيضاً.. ولو أنهم أرادوا أكثر من ذلك لفعل.

عندئذ.. وضحت الرؤية للضابط الإسرائيلي.. فقد نجح ابراهيم شاهين في الاختبار الأول.. وكان عليه أن يتصرف معه حسبما هو متبع.. ويحيله إلى الضابط المختص لإكمال المهمة.. فدوره ينحصر فقط في “الفرز” لا أكثر.

وبينما ابراهيم وانشراح يحتفلان بالأمل الجديد الذي راودهما طويلاً.. توقفت سيارة جيب أمام المنزل، وطلب منه جندي أن يرافقه إلى مكتب الأمن… وهناك كان ينتظره ضابط يدعى “أبو يعقوب” بالغ في الاحتفاء به بدعوى أن أبا نعيم أوصاه به خيراً. فشكره ابراهيم وأثنى على أبو نعيم وامتد بينهما الحوار لوقت طويل… استشف أبو يعقوب بحاسته أن ابراهيم يدرك ما يبتغيه منه.. فطلب منه أن يذهب معه إلى بئر سبع .. حيث المكتب الرئيسي للأمن المختص بالتعامل مع أبناء سيناء.

وفي بئر سبع استضافوه وأكرموه بكل السبل، ولوحوا له بإغراءات ما كان يحلم بمثلها يوماً… نظير إغراقه بالنقود وتأمين حياته وذويه في العريش وافق إبراهيم على التعاون مع الإسرائيليين في جمع المعلومات عن مصر.. وتسلم – كدفعة أولى – ألف دولار في الوقت الذي لم يكن يملك فيه ثمن علبة سجائر.

لم تكن تلك الإغراءات أو التهديدات المغلفة هي وحدها السبب الأول في سقوطه.. لكن تشريح شخصيته يعطينا مؤشراً عن استعداده الفطري للخيانة.. فلا يمكن لشخص سويّ أن يستسهل بيع نفسه ووطنه هكذا بسهولة.. لمجرد منفعة مادية مؤقتة.. فالمؤكد أن خلايا الخيانة كانت قابعة بين أنسجته منذ ولادته… وكان يجاهد كثيراً حتى وجد لها منفذاً فأخرجها.

ففي بئر سبع تغير المشهد.. إذ تحول ابراهيم شاهين من مواطن يسعى للحصول على تصريح بالسفر إلى القاهرة .. إلى جاسوس لإسرائيل وعيناً لها على وطنه.

تناقض شاسع بين الحالين يدعونا للبحث في تقلبات النفس البشرية التي لا يعلم سرها إلا خالقها..

أخضع الجاسوس الجديد لدورة تدريبية مكثفة تعلم أثناءها الكتابة بالحبر السري وتظهير الرسائل.. ووسائل جمع المعلومات من الأهل والأصدقاء… درب أيضاً على كيفية التمييز بين الطائرات والأسلحة المختلفة.. واجتاز العميل الدورة بنجاح أذهل مدربيه… فأثنوا عليه ووعدوه بالثراء وبالمستقبل الرائع… وبحمايته في القاهرة حتى وهو بين ذويه … فعيونهم في كل مكان لا تكل ولقنوه شكل الاستجواب الذي سيتعرض له حال وصوله القاهرة من قبل أجهزة الأمن، وكيف ستكون إجاباته التي لا تثير الشكوك من حوله.

وعندما رجع إلى بيته محملاً بالهدايا لزوجته وأولاده… دهشت انشراح وسألته عن مصدر النقود .. فهمس لها بأنه أرشد اليهود عن مخبأ فدائي مصري فكافأوه بألف دولار… ووعدوه بمنحه التصريح خلال أيام.

بهتت الزوجة البائسة لأول وهلة .. ثم سرعان ما عانقت زوجها سعيدة بما جلبه لها .. وقالت له في امتنان: كانوا سيمسكونه لا محالة … إن عاجلاً أم آجلاً…

فسألها في خبث: ألا يعد ذلك خيانة .. ؟

فغرت فاها وارتفع حاجباها في استنكار ودهشة وأجابته: مستحيل … كان غيرك سيبلغ عنه ويأخذ الألف دولار… أنت ما فعلت إلا الصح.

غمغم ابراهيم كأنه مستاء مما فع