اكبر مجلة ثقافية فى العالم العربى

in

ثورة المسيحيين البشموريين عام 831م في مصر

ثورة المسيحيين البشموريين عام 831م في مصر - صورة 1

يعتقد الكثير من المفكرين ورواة التاريخ أن الرؤية الأسلامية الرسمية للفتوحات الإسلامية قد اغفلت حقائق واحداث تاريخية كثيرة، كي ترسم صورة مثالية للتاريخ الاسلامي، وكأنَّ التاريخ الاسلامي كان مثال التسامح، والمحبة، والعدل بين المسلمين وغيرهم من اصحاب الديانات الأخرى السابقة على الإسلام، في البلدان التي ضمها المسلمون لسيادتهم، وكأنَّ أبناء تلك الشعوب قد استقبلوا الفاتحين وسياساتهم الجديدة بالورود ورأوا فيها العدل المحض دائمًا.

لن يتعرض هذا المقال بالطبع لكل نقاط الخلل والصواب في ذلك التاريخ الرسمي العربي، لكنه سيلقي الضوء على واقعة في التاريخ المصري تم محوها تماما من الذكر في الرواية الرسمية التي يتم ترويجها عبر وسائل الإعلام ومناهج الدراسة، عن تاريخ العلاقات الإسلامية – المسيحية منذ الفتح.

هي حكاية ثورة مسلحة لمجموعة كبيرة من مسيحيي مصر في القرن التاسع الميلادي، سببها التصدي ضد ما رأوا أنه ظلم من السلطات الإسلامية ضدهم في ذلك الوقت.

بدايات احداث التاريخ المجهول

حدثت الواقعة في شمال الدلتا، بين فرعى دمياط ورشيد، في منطقة محاطة بالأحراش والمستنقعات، بحيث يصعب على من لم يعرف طبيعة المنطقة جيدًا، ولم يعرف خباياها وأسرارها أن يغزوها، عاش مجموعة من أقباط مصر عُرفوا باسم البشموريين، يعملون في إنتاج ورق البردي وصيد الأسماك، وعملوا ايضا في الزراعة.

تم وصف البشموريين من المؤرخون العرب بأنهم « قوم أكثر توحشًا وتعنتًا من سائر سكان مصر، وقد أقلقوا السلطات، فهم من ناصبوا العرب العداء سبع سنوات بعد سقوط الإسكندرية في أيدي عمرو بن العاص، وأول من قاموا بإعلان الثورة ضد جامعي الضرائب ».

للعلم فقد ساعد هؤلاء البشموريين العباسيين في ثورتهم على الأمويين عام 750م، حين قادهم قائدهم مينا بن بكيرة لإعلان الثورة على مروان بن محمد، واستطاعوا أن يهزموا جيش الأمويين الذي حاصرهم، وخرجوا على الأمويين بالليل، فقاتلوهم وأخذوا أموالهم وخيولهم.

وعندما جاء العباسيون إلى السلطة، وعدوا الأقباط، والبشموريين خاصة، بأنهم مقدمون على سنوات من العدل الخالص، ولن يشعروا بالاضطهاد مرة أخرى من الآن فصاعدًا، لكن مرت السنوات، ولم يشعر البشموريون سوى بمزيد من الاضطهاد.

نشبت ثورة المسيحيين الكبرى في عام 831م ، وربما كانت تلك هي آخر هباتهم العنيفة على الإطلاق. كان العديد من الولايات العباسية في حالة ثورة آنذاك تحت تأثيرات من الأمويين ، ولم يبخل الأقباط بالمشاركة في تلك الحالة الثورية، لكن لأسباب مختلفة عن أسباب المتمردين الآخرين في بقية أرجاء الدولة الإسلامية.

أعلن البشموريين التمرد، وطردوا عمال الدولة من منطقتهم، ورفضوا دفع الجزية أو الضرائب للدولة الإسلامية، وقاموا بتصنيع أسلحتهم بأنفسهم، وكانت الثورة الخيار الأخير بالنسبة لهم، وكان جزاء من يُصدر نبرة هادئة أو يحذر من العواقب القتل المباشر.

أمام تلك الثورة الكبيرة، ولأن الخليفة الفيلسوف «المأمون» يعرف بأس البشموريين، والذي أظهروه أمام الأمويين ولصالح العباسيين سابقًا، أرسل المأمون جيشًا كبيرًا من أربعة آلاف جندي، بقيادة أخيه «المعتصم»، إلى ما عُرف فيما بعد بمحافظة الدقهلية، من أجل افناء الثورة، لكن الثوار انتصروا، فأرسل المأمون جيشًا آخر بقيادة أعجمية لـ«أفشين التركي» في التاسع من محرم من نفس العام، لكن العجيب أن تلك المحاولة فشلت أيضًا، وهُزم جيش المسلمين.

بعد الانتصارات المتتالية للثوار، لم يكن هناك مفر بالنسبة للبشموريين من أن يكملوا ثورتهم ومقاومتهم حتى أخر نفس، مهما كانت التضحيات، وبالنسبة للمأمون أيضًا كان القرار حاسم، فقد جهز قوة عسكرية كبيرة وزحف من بغداد بنفسه ليخمد تلك الثورة التي لا تنطفئ، لكن هذه المرة وظف المأمون عنصرًا جديدًا بذكائه ليقلب المعادلة.

موقف الكنيسة من الثورة (الخروج على الحاكم)

من الغريب ان الكنيسة اتخذت موقفًا مؤيدًا للحاكم العربي ضد ثورة الأقباط، لأنها تعرف أن مثل تلك الثورات لن تنتهي الا بالمزيد من البطش والتعسف تجاه الأقباط، وكانت الكنيسة في موقفها هذا تمتثل لحكمة القديس بولس في الإصحاح 13، والتي تقول: ( السلاطين الكائنة هي مُرتبة من الله، حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومين سينالون الدينونة ).

كان المأمون بذكائه المعهود يعرف سهولة تحريك الكنيسة ضد الثورة، فاصطحب معه في رحلته الأنبا ديونسيوس البطريرك الأنطاكي، وبمجرد وصوله إلى مصر، استدعى الأنبا يوساب الأول بطريرك الأقباط؛ كي يحجبوا الثورة في مرسوم رسمي، ليضعف تأييد الشعب القبطي لها، ومن ثم يرسل الآباء المذكورون، رسائل إلى الثوار تطلب منهم التوقف فورًا عن قتال الدولة العثمانية.

لكن كرد فعل على خطابات البطريرك يوساب، التي حاول أن يقنعهم فيها بضعفهم أمام قوات الخليفة المأمون، وضرورة أن يعلنوا استسلامهم، ازداد البشموريين عنادا وثقًة في أن ثورتهم يجب عليها الاستمرار، حتى لو قتل آخر فرد منهم، وذلك بعد أن تخلت عنهم المؤسسة الدينية الرسمية التي ترعاهم روحيًا، وكان المأمون يملك الحل العسكري القوي والأخير للقضاء على آخر ثورة للأقباط في مصر.

موت الثورة إلى الأبد

أقام المأمون حربًا ضارية ضد البشموريين، ورغم كل ما انتشر وقيل عن شجاعتهم وتضحياتهم في تلك المعركة، لكن الأكيد أنهم هُزموا في النهاية أمام جيش الخلافة، وحُرقت مساكنهم وكنائسهم، وقتل معظمهم، حتى كادوا أن يبادوا عن بكرة أبيهم.

لكن قدرالمأمون في هؤلاء الرجال شجاعتهم، فحين تأكد من النصر وأن أيَّة أعمال عسكرية أخرى سكون غرضها الإبادة، وليس تعزيز الانتصار، أمر جنوده بالتوقف عن القتال، ونفى الذين تبقوا من البشموريين (3000 فرد)، ومات الكثير منهم في طريق السفر، أما الثوار الذين أسروا، وكان عددهم 500 فرد، فقد تم استرقاقهم وبيعهم كعبيد، ويصف لنا المقريزي النهاية فيقول: «انتفض القبط فحكم فيهم المأمون بقتل الرجال، وبيع النساء، فبيعوا، وسبي أكثرهم، حينئذ ذلت القبط في جميع أرض مصر».

ويعتقد المؤرخون أن بقايا البشموريين قد توطنوا في جنوب العراق بالمستنقعات، وعرفوا فيما بعد باسم «البشروديين»، وعملوا في مهنة إصلاح الأراضي الزراعية للعباسيين، ويرجح المؤرخين ايضا أنهم قد شاركوا فيما بعد في ثورات الزنج على الخلافة العباسية، وأبلوا بلاًء حسنًا في القتال هناك، نظرًا لتمرسهم على القتال في المستنقعات منذ ثورتهم الفاشلة الأولى.

ويرى عماد جاد، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو مجلس النواب المصري، أن نتائج ثورة البشموريين قد أثرت على الواقع الديموجرافي لمصر حتى الآن؛ حيث كانت نتيجتها إنهاء الوجود المسيحي في الدلتا تقريبًا، ووفقًا لـ«جاد» فإن نسبة المسيحيين في أيَّة محافظة بالدلتا الآن، ونتيجة لهزيمة الثورة البشمورية، لا تزيد عن 3% بأيَّة حال.

عودة إلى الخلف، هل كانت أسباب تلك الثورة دينية بالأساس؟

“لوحة تظهر الخليفة المأمون وهو يقوم بإحدى أعمال القياس الحسابية”

حين صدر القرار من الخليفة المأمون بنفي البشموريين من مصر، أرسلوا إلى المأمون قاموا بأرسال رسالة الي الخليفة المأمون أخبروه فيها بأن الوالي كان يجبرهم على دفع جزية لا يستطيعون دفعها، وكان يسجنهم ويربطهم إلى الطواحين ويضربهم ضربًا مبرحًا ويضطرهم إلى طحن الحبوب كالدواب تمامًا، وعندما كانت تأتي نساؤهم إليهم بالطعام، كان خدم الوالي يأخذونهن، ويهتكون عرضهن. وكان رد المأمون على تلك الرسالة أنه غير مسئول عن سياسة ولاته؛ لأنه لم يمل عليهم هذا الموقف الذي اتبعوه، وأنه لم يفكر قط في إرهاق الناس، وقال: «إذا كنت قد أشفقت على الروم وهم أعدائي، فكيف لا أشفق على رعيتي؟»

منذ دخول المسلمين مصر، فرضوا الجزية على غير المسلمين، وتراوحت فترات الاضطهاد والتسامح في هذا الأمر بحسب تطور الظروف التاريخية، وتقلب الأمزجة الشخصية للولاة، كما فرضوا أيضًا الخراج على أراضيهم، في حين كان المفترض أن تعامل أراضي المسلمين بنظام الزكاة «تحصيل العشر»، لكن تحول المصريين إلى الديانة الإسلامية كان سيؤثر بالسلب في تلك الحالة على خزينة الدولة الخراجية، التي تستفيد كثيرًا من ضريبة الخراج؛ لذلك قرَّرت الدولة ألا تعفي أرض المتحولين إلى الديانة الإسلامية من ضريبة الخراج، فالأرض كافرة وإن أسلم صاحبها، وذلك ما يفسر اشتراك المسلمين من أصحاب الأراضي الخراجية في الثورة البشمورية.

وتقول الروائية سلوى بكر، صاحبة رواية «البشموري»، في تقرير لصحيفة «البديل» المصرية في هذا الصدد: «ثورة البشموريين لم تكن ثورة دينية كما يراها البعض، بل هي ثورة اجتماعية كان سببها تزايد ضريبة الأرض الزراعية؛ لأن العرب عندما فتحوا مصر، لم يكن لهم دراية بالنظم الزراعية المعمول بها في مصر».

وتضيف في التقرير: «منذ عهد الفراعنة كانت غلة الأرض توزع علي أربعة أنصبة: ربع للفرعون، وربع للمعبد، وربع للفلاح، وربع لإعادة الإنفاق على العمل الزراعي، وعندما جاء العرب لم يطبقوا هذا النظام وكانوا يطالبون بزيادة غلة الأرض وزيادة الضريبة الزراعية، ومن هنا أصبح هناك إجحاف بالفلاح الفقير، ولذلك فقد انضم إلى ثورة الأقباط هذه، الفلاحون العرب المسلمون الذين استقروا في مصر، وخصوصًا أولئك الذين ينتمون إلى القبائل اليمنية والقيسية التي كانت تعمل في الزراعة في شمال الجزيرة العربية، ورفضت أن تواصل الفتوحات الإسلامية، فجاءوا واستقروا في مصر واشتركوا مع البشموريين في الثورة».

في الواقع كان الخليفة المأمون يعرف جيدًا، أن الوالي بمصر قد ضاعف الخراج، وضاعف الجزية، وعامل الأقباط بعنف، وقد حمله المسئولية كاملةً عما حدث، لكنه كان يعلم أيضًا أن هؤلاء الثوار لا بد أن يُسحقوا؛ ففي ذلك الوقت كان بقايا الأمويين، في العالم الإسلامي، يستعدون للثورة على الحكم العباسي، وقاموا بتحريض المصريين على الثورة في خطابات من زعمائهم، وكان المأمون يعرف تمامًا ما فعله البشموريون حين تحالفوا مع الهبة العباسية ضد الأمويين، لذلك كان يدرك خطورتهم، ورأى أنه لا خيار أمامه سوى سحقهم، في ظل معركته للحفاظ على حكمه من أي محاولة أموية للانقلاب.

وأنهى المأمون بذلك قصة ثورة الأقباط، واحتمالية عودتها مرة أخرى، واختفت تلك الثورة الأخيرة بعد ذلك من التاريخ الرسمي لمصر، الذي كرسته الدولة القومية الحديثة، وحذفت منه ما لا يروق لها منه؛ لتصنع روايتها الرسمية عن تاريخ هذا القطر، وما تخلله من علاقات بين أبنائه ودولته.

تقرير

اخبرنا برأيك ؟

100 نقاط
Upvote Downvote

التعليقات

اترك تعليقاً

Loading…

0
اقوال وتغريدات الشيخ المعصراوي شيخ عموم المقارئ المصرية - صورة 9

اقوال وتغريدات الشيخ المعصراوي شيخ عموم المقارئ المصرية

كتاب فرعون ذو الأوتاد - أحمد سعد الدين - كتاب pdf - صورة 10

كتاب فرعون ذو الأوتاد – أحمد سعد الدين – كتاب pdf

Back to Top
اغلاق

الدخول

Or with username:

نسيت كلمة المرور؟

لا تمتلك حساب ؟ التسجيل

نسيت كلمة المرور؟

ادخل اي م البيانات التالية وسوف نقوم بارسال رابط علي بريدك الالكتروني لاعادة تعيين كلمة المرور

رابط اعادة تعيين كلمة المرور يبدو غير صحيح او انتهت صلاحيته

الدخول

Privacy Policy

لاستخدام تسجيل الدخول الاجتماعي ، يجب أن توافق على تخزين ومعالجة بياناتك بواسطة هذا الموقع.

اضافة الي مجموعة

لا يوجد مجموعات

هنا ستجد قائمة المجموعات التي قمت بحفظها سابقا