in

مراجعة رواية العسكري الأسود ليوسف ادريس

كان الاسم لافتا جدا بالنسبة لي مجرد أن رأيته على موقع يعرض رواية ( العسكري الأسود )، أحسست إنه يناقش أوضاعًا مشابهه وعليّ أن أبدأ بقراءته. وفي الحقيقة، تفاجئت تماما حين وجدت يوسف ادريس يتحدث عن صديقه المقرب شوقي بهذا الأسلوب، أسلوب ينم عن حيرة، رغبة في المعرفة أكثر.

ماذا بعد وصفه للمكان العام بمصر القديمة و الميدان ومكان عمل شوقي والحكمباشي، وعبد الله التومرجي، الذي كان في الأصل عسكريًا، وصفه لرواد المكتب الطبي بعد الظهر، من متسولين ومشردين ومجاذيب، أو متشاجر أنيق أو إجازات للشاويشه وغيرهم..
اعجبتني جملة ” عرق المبنى العتيق، و الأثاث الذي بُقِرت مسانده”.

علاقته بشوقي وإيمان كل منهما برسالته، وانهما مبعوثا العناية الألهية لتحقيقها، وإنقاذ البلد وتغيير مصير الشعب جذريًا و إلى الأبد.
وصف يوسف ادريس لشوقي رائع جدا، كملامح وشخصية، و الجميل في الأمر إنه رغم اختلاف رؤاهم إلا إن صداقتهم مستمرة لا تنقطع وإن كانت تصل حد التشابك في جلسة بعد الشتائم، يتعازما على الشاي بعد الانتهاء، قصة لا يمكن أن تتكرر في أيامنا هذه.

سجن شوقي، حالة الأحكام العرفية، الإرهاب عامي ٤٧ و ٤٨، انتشار البوليس السياسي و الاشاعات والخوف.

العسكري الأسود وما يفعله بالمساجين للمعتقلين

نجاح شوقي في الكلية، رغم سجنه ومعاناته، رغم إنه لا توجد تهمة من الأساس، أشياء لا تحدث إلا في عصور مظلمة.
وصفه الدقيق لحاله كحال باقي المسجونين، من ترهل وسمرة ونبت غزير للذقن، اختفاء حتى اللمعة التي تميز عيني الكائن الحي، النفاق، الكذب باستمرار بطريقة مكشوفة تدعو للاشمئزاز.

لا أعرف ماذا دهاني، تذكرت شخصًا بعينه، و لازلت أبقى على صداقته ومعرفته لأسباب لا يمكن تفسيرها، فأنا كنت على ثقة بأن الشخص لم يضع نهائيًا، وإنما هي قشرة صدأ ألمت بشخصيته ومع الوقت ستنزول. وتتوقف فقط على وجودي معه إلى جانبه، لإنه جُرِح جرحًا شاملًا من قمة رأسه إلى أظافر قدميه ، أحاول انتشاله وهو يرفض مذعورًا دون توضيح أن ينجو.

لكنه، للأسف يحاول إغراق نفسه أكثر، وإذا استطاع اغراقي أيضا، عباس محمود، العسكري الأسود الذي اظنه وراء الحالة المذرية التي وصل إليها شوقي. البحث المستمر لمعرفة السبب الرئيسي لما جعل صديق عمره يتصرف بهذه الغرابة وخاصة مع وجود العسكري الأسود. وخاصة لخوف شوقي الدائم من أن يتم إلتهامه حيًا، حتى وإن فعل أمورًا غير مقبولة وآذى أفرادًا لا ذنب لهم… إلخ ..

ممارسة الضرب بكل أنواعه العصى والكرابيج، اليد العارية، النبوت، الحذاء، كل هذا فيه اذلال وجرح للكبرياء والكرامة، ليس الافعال الجنسية المشينة التي قد تذكرها الصحف، ألف إحساس مخزٍ مهين يمزق أحشائك، هذا ما ناله شوقي، كسر النفس، ضربات وصفعات داخلية لا تمت للألم الجسدي بصلة، لأنك تُضرب وتسكت لا مجال للاعتراض أو الرفض، تمجيد لمن يقومون بالضرب كأنه عمل وطني يخدم به الصالح العام.

أسلوب يوسف إدريس كان رائعًا لم أستطع ترك العمل لحظة، وكنت أسعى بنهم لمعرفة مصير عباس ذاك العسكري الأسود متحجر الفؤاد، ذاك الذي كان يستغل الكل لفرض السيطرة والاستحواذ على السلطة، ها قد أتت اللحظة الحاسمة، بدأ يتعاطى الأفيون، وبدأت حالته تسوء أكثر وصرت أقول في نفسي وزوجته تحكي لفريق القومسيون المكون منه ومن شوقي وعبد الله، ليته يموت حتى يرتاح العالم منه ومن شره، صراخه كعواء الذئاب.

في حال رأي شوقي عباس على تلك الحال حتى بدأت تدب فيه الحياة من جديد، وبدأ يستعيد ذاته القديمة التي فقدها في السجن. كمية الوجع المكتوم، والصراخ المقصود الغائب منذ سنوات، خرج دفعة واحدة. عقاب سنوات مضت لهذا القاسي أن يتحول نحيبه وعويله لهبهبة كلاب أفزع المتواجدين وعلى رأسهم شوقي. وفي النهاية ترك شوقي الكشف للحكيمباشي ولم يكتب تقريرًا، يكفي إنه بدأ يستعيد نفسه التي قُتلت ظلمًا.

بقلم أسماء عبد الخالق

اخبرنا برأيك ؟

200 نقاط
Upvote Downvote

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Comment moderation is enabled. Your comment may take some time to appear.

مراجعة رواية قيامة الظل للكاتب مصطفي منير

مراجعة رواية الحمار الذهبي أو التحولات للكاتب لوكيوس أبوليوس