in

[لا تكذبى [قصة قصيرة

قصة قصيرة

لا تكذبي

“لا تكذبي يا بنيتي .. إن من يكذب لا يكسب شيئًا في الأرض و يلعنه الله في السماء”

في يوم غائم من أيام الشتاء خلعت (مروة) نظارتها الشمسية بينما كانت تقف في أحد الطرق منتظرة احدى حافلات النقل العام لعدم جدواها في هذا الوقت .. أشارت للحافلة ثم قفزت فيها و كاد توازنها يختل إلا أنها تمسكت بشدة في قطعة من المعدن أمامها لتدفع بجسدها داخل الحافلة و تتخذ مكانًا بين الواقفين, بعد أن دفعت ثمن التذكرة في سرعة .. قام السائق بفرملة مفاجئة ليختل توازنها بالفعل و تسقط على أحد الجالسات و تعتذر إليها في حرج شديد ثم وقفت مرة أخرى .. حمدت الله تعالى على وجود رجل واحد يستحق هذه الصفة قام من مقعده ليجلسها بعد أن رآها تسقط واحتمل هو الوقوف بين الزحام الشديد في صبر.

الغريب في الأمر هو نظرات السخرية التي انبعثت من بعض الذكور بين الزحام كما علقت بنت أخرى في حقد على هذا الأمر: لأنها الأجمل قمت لها يا رجل شهم ! .. تخضبت وجنتا (مروة) بحمرة الخجل بينما نظر الرجل لهذه الفتاة نظرة نارية أخرستها و ضحك الكثير من الذكور الواقفين حوله .. زفرت انفاسها في ضيق ثم أخرجت سماعات الأذن ووضعتها في عصبية لتسير الموسيقى بين عروقها هاربة من هذا الجحيم الذي تلقاه كل يوم في المواصلات العامة .. بعد وهلة هدأت أعصابها تمامًا و انطلق عقلها يرتب ما هي بقائلة أمام مديرها في الشركة بإعتبار ما سيكون أو هكذا تمني نفسها على الأقل .. هذه هي ثالث مقابلة شخصية خلال الشهر نفسه و قد مرا بفشل ذريع ربما لم تلقه في حياتها حتى تلك اللحظة .. لا يعني هذا نجاحها المتواصل في كل ما يخص أمور حياتها سابقًا لكن بهذه الطريقة ! .. لم يحدث .. في المقابلة الأولى سألها الرجل بعض الأسئلة في غير تخصصها فلم تحاول التفكير في الإجابة عن شئ لن تعمل فيه مهما كان .. إن وفقها الله في الإجابة بشكل صحيح فماذا تفعل بعد ذلك في باقي أمور العمل ؟! .. لكن الرجل لم يعجبه هذا وقال لها تلك الجملة الشهيرة في هذه المواقف : اتركي رقم هاتفك و إذا وقع الإختيار عليكي يا آنسة سنكلمك .. و كان يتكلم في تقزز لم تدرِ له سببًا .. على الرغم من كونه هو الأجدر بالتقزز بعد أن حاول مغزلتها ببعض من كلمات سمجة و لكنها لم ترد و أرسلت إليه نظرات احتقار .. و تسائلت بينها و بين نفسها هل من المفترض أن تكون من مؤهلات الفتاة الباحثة عن عمل أن تكون غانية .. سهلة .. تستجيب لأي رجل تسول له نفسه غوايتها ؟! .. إن كان العمل هكذا فهي تفضل وجودها في بيتها و حمدت الله على ستر حالهم و عدم حاجتها الملحة للعمل .. كانت تفعل هذا بغرض تحقيق ذاتها بينما وافقت أمها بحثًا عن عريس الغفلة الذي سيعميه بصره و بصيرته و يختارها شريكة لحياته .. لم تكن مروة بشعة المنظر ولا سليطة اللسان لكن أمها _كنوع من أنواع تحري الملل_ تكرر لها هذا ..

أما عن المقابلة الثانية جرت الأمور أفضل من هذا بكثير .. استمرت المقابلة لزمن يقترب من الساعة و هي تجاوب كل ما سئلت في حماس و شعرت انها اقتربت من الفوز بهذه الوظيفة حتى رماها الرجل بذلك السؤال القاتل : لو قيل إليك أن تفعلي شيئًا في العمل هو في مصلحة الشركة و لكنه يتعارض مع العلم .. هل ستقبلين أم ترفضي ؟
ذهلت من هذا السؤال لكنها جاوبت بلا تفكير : أعتذر يا سيدي سأرفض .. مصلحة الشركة أساسها التخطيط .. و التخطيط أساسه علم .. و العلم هو مصدر كل عمل صحيح .. و الصحيح عكسه الخطأ و من ثم .. لن تكون مصلحة الشركة في أي شئ خاطئ يتعارض مع التخطيط لأنه يتعارض مع العلم كما يتعارض مع الخطأ ..
ابتسم الرجل وقتها ساخرًا و قال : و هل تعلمين أنت مصلحة الشركة و لم تزل خبرتك في طور النمو ؟!
احمر وجهها في خجل و غضب لم تعلم كيف جمعتهما معًا و قات : كلا يا سيدي .. لكن العلم و الصواب لا يختلف عليه أحد .. ربما لم يزل بي بعضًا من ضمير ينبض في قلبي .. لا يسمح بمخالفة الصحيح علميًا ..
– و إن كان في مصلحة الشركة ؟
– لم أقتنع بهذه النقطة و لكن و إن كانت مصلحة الشركة ستخالف ضميري لن أسير ورائها ..
– رائع .. اتركي رقم هاتفك و إذا وقع الإختيار عليكي يا آنسة سنكلمك
لكنه قالها هذه المرة في غضب ..

“لا تنافقي يا بنيتي .. إنما النفاق ضعف في القلب و العقل و الدين أيضًا .. المنافقون اسوأ من الكفار”

لاحت هذه النصائح التي لطالما لقتنها إياها أمها طيلة عمرها بين طيات ذاكرتها وهي صغيرة ثم تذكرت بعدها الكثير من المواقف النثرية التي لم تعرف السبب الذي دعاها الآن ..
– أمي .. العمة (سناء) تتصل على الهاتف
– قولي لها أني نائمة الآن .. لست ذات بال رائق لأحدثها .. أنا لا أحبها من الأساس !
– أمي العمة (سناء) في هذا المجلس الذي نذهب إليه
– علمت
– و ماذا أنت بفاعله
– لا شئ

ثم طرقا الباب لتظهر هي خلفه فتشعر (مروة) بالرعب لوجود مشادة كلامية وشيكة الحدوث .. لكن أمها احتضنتها و قبلتها و كان الإستقبال حارا بعكس ما توقعت تمامًا .. دخلت من الباب في ذهول ليسألها تقريبًا كل من بالمجلس : ماذا بك يا مروة ؟!
– لا شئ ..

وصلت مروة إلى المكان المنشود فقامت من مكانها و هي تتحاشى لمسات المتحرشين قدر المستطاع و الناس تتدافع حولها في كل مكان كيوم الحشر حتى استطاعت أخيرًا أن تقفز إلى خارج الحافلة كأنما ولدت من جديد و تيار الهواء البارد يصطدم بوجهها فتشعر بالإنتعاش مرة أخرى .. أخرجت العنوان من داخل حقيبتها لتسير قليلًا بين الطرقات .. وصلت إلى الشركة و ما خطت بداخلها حتى تسأل أول ما تسأل عنه دائمًا دورة المياة لتصلح ما أفسده الطريق بداخل حافلة النقل العام التي تكرهها كما تكره الشيطان بالضبط ! .. جلست بهدوء تنتظر دورها في المقابلة و كلمات أمها تتردد في أذنيها فترى بعين الخيال موقفها من المقابلتين الأخيرتين ..
– لماذا لم تجبي على الأسئلة حتى ولو خارج تخصصك ؟!
– !!
– كل البنات يتعرضن لمثل هذه المضايقات فماذا تختلفين عنهم ؟!
– !!!
– لماذا لم تقولي أن مصلحة الشركة فوق مصلحتك الشخصية ؟!
– !!!!
– ستظلي خائبة طيلة عمرك و لن تتخلصي من الطفولة التي تحيا بعقلك حتى هذه اللحظة !
– !!!!!

ثم جاء صوت ليقطع عليها فكرها ينادي : (مروة عبد العزيز) ..
انتفضت في حدة ثم نظرت حولها لتجد نفسها الأخيرة في هذه المقابلة و قد انصرف كل من كان قبلها فلامت نفسها لأنها لم تر تعبيرات من سبقها بعد أن خرجوا من المكتب الذي ستقام فيه المقابلة .. نفضت عن نفسها هذه الأفكار و دخلت المكتب في ثقة و هناك أصوات غريبة تعوي في عقلها أن هذه المرة لابد أن تكون مختلفة .. وجدت رجل أربعيني يجلس خلف المكتب الغير منظم على الإطلاق و هو يتحدث في الهاتف .. وقفت أمامه في هدوء حتى أنهى هاتفه ثم قال لها ببطء : هناك بعض من العمل الهام ينتظرني في الخارج .. أريد أن أرى هذا المكتب مرتب عندما أعود ..

لم يترك لها فرصة التفكير أو الإعتراض لأنه اندفع خارج المكتب في سرعة و أغلق الباب خلفه تاركًا إياها في ذهول .. جلست على المقعد المواجه للمكتب تفكر للحظات .. هذا الرجل وقح .. لكن هذه المرة لن تكون مثل الأخريات .. ألم يحن الوقت بعد لتتخلص من الطفولة الكامنة في نفسها و تواجه العالم كأنثى ناضجة لا بعقلية طفلة نما جسدها دون عقلها ؟! .. و لكن بالتأكيد ليست وظيفتها في هذا المكان ترتيب مكتب المدير فلم تأت على وظيفة سكيرتيرة .. تسائلت بينها و بين نفسها ما يدريها إن لم يكن هذا اختبار ؟! .. هل تنجح فيه و تنتصر لعملها أم تفشل و كرامتها تنتصر ؟! .. تذكرت إلتصاقها بمنزلها الفترة الأخيرة و المشاكل المفتعلة في البيت بينها و بين أمها بسبب الفراغ ليس إلا .. ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة و قامت من مكانها لترتب المكتب كما يجب أن يكون مراعية اللمسة الجمالية خاصتها .. وبعد أن أتمت هذا العمل أخرجت من حقيبتها مرآة صغيرة لتتأكد من هندامها ثم جلست منتظرة حتى أتى الرجل مرة أخرى .. فتح الباب ثم توقف في دهشة لير المكتب مرتب بالفعل كما طلب منها .. نظر إليها في اعجاب ثم اتخذ مجلسه خلف المكتب ليبدأ معها المقابلة ..

سألها الكثير من الأسئلة أولًا في مجال تخصصها فجاوبت عليها كلها بدقة محتفظة بابتسامتها على الرغم من الكراهية التي تشعر بها تجاه ذلك الرجل السخيف .. بدأت الأسئلة بعد ذلك تتخذ منحنًا آخر بعيدًا عن ما درسته فجاوبت قدر المستطاع عنها و بثقة لم تدر هي نفسها من أين أتت بها حتى جاء السؤال المعهود ..
– لو اختلفت مصلحة الشركة مع شئ من اساس العلم ماذا ستفعلين ؟
“لا تنافقي يا بنيتي .. إنما النفاق ضعف في القلب و العقل و الدين أيضًا .. المنافقون اسوأ من الكفار”
– مصلحة الشركة فوق كل شئ يا سيدي ..
– و ماذا عن العملاء ؟
– الزبون دائمًا على حق
– و إن جائتك فرصة في شركة أخرى براتب أعلى ؟
“لا تكذبي يا بنيتي .. إن من يكذب لا يكسب شيئًا في الأرض و يلعنه الله في السماء”
– المال ليس كل شئ في الحياة .. الراحة النفسية و تقدير العمل نفسه أهم من كل شئ ..
– مبارك عليك الوظيفة ..
تمـــــــــت

بقلم أشرف_إسماعيل

اخبرنا برأيك ؟

200 نقاط
Upvote Downvote

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Comment moderation is enabled. Your comment may take some time to appear.

‫ذاكرة_الأمة‬ – 1 يوليو

قواعد الأدارة