in

صور نمطية واحكام مسبقة – تجارب نفسية Stereotypes

الحلقة العاشرة: صور نمطية و احكام مسبقة Stereotypes

من أخطر الظواهر النفسية فى المجتمع إن لم تكن أخطرها على الإطلاق، إن تكوّن رأيك و تحكم على شخص أو مجموعة من الأشخاص أو الكيانات أو الأشياء طبقا لصور نمطية و أفكار مسبقة جاهزة مقولبة و معلبة دائما.
علي سبيل المثال ان تري شقيق سودانى فعلي الفور تصفه بالكسل وعشق النوم، و ايضا فى الغرب كثير من الناس تعتقد ان المسلمين كلهم ارهابيين، ايضا بعض الانماط في مجتمعنا التي تعتقد ان أى حد يعارض سياسة الحاكم أو ينتقدها فهو خائن عميل و ممول من الخارج.

نوع من أنواع الاختصار الإدراكى العقلى Cognitive shortcut يستخدمه البشر لتوفير الوقت و الطاقة و المجهود الذهنى ، العقل البشرى دائما يميل إلى تبسيط الأشياء و تصنيفها و وضعها فى مجموعات لتسهيل عملية التعرف على المعلومات و تذكرها و استدعاءها عند الحاجة و التفاعل معها.

مثللمجلدات الكمبيوتر folders التي نحفظ فيها الملفات و المعلومات ف، هناك الكثير من هذه المجلدات احدهم للعمل و الاخر للأغانى و مجلد الأفلام و هكذا، تخيل لو وضعت كل الملفات و المعلومات التي تمتلكها على ال Desktop او ما يعرف بسطح المكتب، ستحتاج وقت و مجهود كبير جدا كي تفرز منه اي معلومة تريدها فيما بعد.

نفس المبدأ يعمل في العقل الذي يقوم بتصنيف كل شئ ووضعها في المجموعة التي تنتمى لها – أو هكذا نعتقد – حتي عندما نتعرض لها مرة اخري نتعامل معها و نتفاعل معها بشكل تلقائى أسرع بحكم وجود خبرة سابقة مماثلة أو مشابهة للتعامل مع نفس الموضوع – أو هكذا نعتقد ايضا.  الإنسان بطبعه يحب دائما الانضمام لمجموعة أو كيان يشعر فيه بالانتماء و الحماية و الأمان.

فى تصورنا لنفسنا و للعالم من حولنا كل فرد يتعامل مع 3 دوائر رئيسية:
– دائرة “الأنا” EGO و فيها انتماءاتنا الأساسية مثل الجنس و اللون و العرق.
– دائرة “النحن” US أو In-group و هو المحيط أو المجموعة التي نعيش معها و ننتمى لها بانتماءاتنا المضافة مثل العائلة و المنطقة و اللغة و الدين.
– دائرة “الآخر” THEM أو Out-group التي تمثل كل ما هو خارج الأنا و النحن.

كما ذكرنا من قبل العقل البشرى عنده قدرة عظيمة على التخيل و رسم الصور، و بالتالى أى عنصر خارج دائرة الأنا أو النحن يكون خاضع لمخيلة الأنا الملئية و المغذاة بصور نمطية و كليشيهات متكررة و انطباعات داخلية مقولبة لكل شئ.

و على حسب ثقافة كل فرد و طريقة تفكيره و على حسب كل موقف تغلب إحدى الدوائرعلى الأخرى و تسود الموقف.

البداية

المصطلح نفسه “ستيريوتايب” Stereotype هو كلمة لاتينية مكونة من مقطعين: ستيريوس Stereos بمعنى صلب أو راسخ firm, solid، و تايبوس Typos بمعنى طبعة أو انطباع impression، اي ان كلمة ستيريوتايب معناها انطباع راسخ مكرر firm impression.

أول مرة استخدمت فيها هذه الكلمة كانت سنة 1798 لوصف قوالب الطباعة الجاهزة لاستخدامها فى طباعة آلاف النسخ من الشكل الأصلى.
ثم في عام 1850 استخدمت الكلمة بمعنى صورة متداولة منقولة كما هى بدون تغيير، و فى سنة 1922 كانت أول مرة تستخدم الكلمة من منظور اجتماعى نفسى على يد صحفى أمريكى اسمه والتر ليبمان.

هناك صورة شهيرة يعود تاريخها لأوائل القرن الثامن عشر توضح تصور الإنسان الأوروبى عن شكل العالم فى هذه الفترة ، يصور فيها بكل وضوح الآسيويين و الأفارقة و الأمريكيين الأصليين على انهم متوحشين عراة و همج، و فى نفس الصورة موجود اربعة نماذج للإنسان الأوروبى المتحضر و هما الرجل الإنجليزى و الرجل الفرنسى و الرجل الألمانى و الرجل الهولندى،  فى واحدة من أقدم الستريوتايبس التي وصلت لنا من هذه الفترة والتي تفسر حجم الفظائع اللى ارتكبت بسبب الأفكار التي بتمثلها هذه الصورة من استعباد و تفرقة عنصرية و إبادات جماعية.

من دراسة الموضوع علميا ستجد ان الستريوتايب يعتبر أول خطوة أو أول مرحلة من ثالوث خطير جدا يعتبر بمثابة الوقود الرئيسى للحروب و المجازر و الصراعات على مر التاريخ و هو:
الصور النمطية Stereotypes >>> التحيز أو الانحياز Prejudice >>> التمييز و التعصب Discrimination
بحيث انه:
– الستريوتايب هو الجزء الإدراكى (غالبا جزء لا واعى) نتيجة الصور النمطية أو الأفكار المسبقة كما اسلفنا >>>>
– التحيز Prejudice هو الجزء الحسى أو الاستجابة العاطفية تجاه الشخص أو الشئ المعنى >>>>
– التمييز Discrimination هو الفعل نفسه و السلوك و التعامل المتعصب، وهو الجزء المسئول عن تحويل الصور و الأفكار و المشاعر السابقة إلى أفعال، هذه الأفعال قد تكون اضطهاد أو احتلال أو استعباد أو حروب أهلية و طائفية أو مجازر و إبادات جماعية.

بالتالى اذا اردت اقناعك بالخراب والدمار كل ما احتاجه هو تغذية عقلك بصور نمطية و أفكار معلبة و كليشيهات جاهزة و الباقى يتبع بكل سهولة مثل قطع الدومينو و من هنا كانت الخطورة الشديدة.

التجارب

تم اجراء تجارب نفسية و اجتماعية كثيرة جدا لدراسة ظاهرة ستيريوتايب نستعرض لك البعض منها:

تجربة كاتز و برالى

  1. أجراها العالمين كاتز و برالى سنة 1933 على مجموعة كبيرة (100 طالب) من طلبة الجامعة الأمريكيين.
  2. أعطوا لكل طالب قائمة من الجنسيات و الأعراق و قائمة أخرى فيها 84 صفة شخصية، و طلبوا من كل شخص يختار لكل جنسية أو عرق 5 أو 6 صفات شخصية من القائمة الاخري.
  3. بعد تحليل النتائج وجدوا أن هناك تشابة كبير جدا بين إجابات الطلبة ، معظمهم اتفق على إن الأمريكيين البيض متحضرين متقدمين و طموحين وإن الأمريكيين السود (والذذي كان يطلق عليهم  نيجرو في هذا الوقت بدون حرج) انهم جهلة و كسالى و متخلفين.

تم انتقاد هذه التجربة بعد ذلك بسبب انها كانت مباشرة جدا، هناك دائما نقطة مهمة فى التجارب النفسية بشكل عام و هى ان الطالب أو المتطوع المشارك فى التجربة يعرف هدف التجربة و المطلوب منها يميل الي تغيير بعض إجاباته ليدارى ما يجول بخاطره أو العكس ممكن حتي يعطي نتائج متوافقة او مخالفة للمتوقع، نوع من التحايل يمارسه المتطوعين اما لتأييد او مخالفة النتائج المرجوة، بالتالى استنتج العلماء ان هذه النتائج تعبر عن نصف الحقيقة مش الحقيقة كلها. كل هذا أدى لظهور نوع تانى من التجارب الغير مباشرة و الأكثر مصداقية مثل:

تجربة ستيل و أرونسون

  1. أجراها العالمين ستيل و أرونسون سنة 1995 على مجموعة من الأمريكيين البيض و السود سويا.
  2. بطلب من المجموعة حل اختبار رياضيات صعب تحت حالتين مختلفتين:
    فى الحالة الأولى يتم اخبار المتطوعين ان الاختبار الهدف منه قياس مستوى ذكاء كل فرد.، و فى الحالة التانية يتم اخبار المتطوعين ان الاختبار لمجرد حل المسائل الموجودة فى الاختبار فقط، وليس هناك اي تشخيص لأي شخص علي الاطلاق.
  3. بالطبع يلعب كلا من ال العالمين ستيل و أرونسون على فكرة الستيريوتايب الشائع ان السود أقل ذكاءا أو أقل فى المهارات الذهنية من البيض.
  4. عندما اعلنت النتائج وجد العالمان انه فى الحالة الأولى كان مستوى السود أقل من مستوى البيض بشكل واضح تحت تأثير الستيريوتايب، أما فى الحالة التانية التي لا يكون فيها اي ضغط او تهديد وجدوا ان المستويات كانت متقاربة جدا و لا يوجد فرق بين البيض و السود.

تجربة المرأة الآسيوية

  1. هذه تجربة مشابهة للتجربة السابقة مع بعض التطويرات أجراها العلماء “شيه” و “بتينسكى” و “أمبابى” سنة 1999 على مجموعة من النساء الآسيويات.
  2. طلبوا منهم ايضا حل احتبار رياضيات صعب تحت حالتين مختلفتين:
    فى الحالة الأولى قبل الاختبار الرياضى يطلب من النساء الإجابة على استطلاع أو استبيان كل أسئلته عن الآسيويين بشكل عام لتذكيرهم بطبيعتهم الآسيوية.
    و فى الحالة التانية قبل الاختبار يطلب من النساء الإجابة على استطلاع أو استبيان عن المرأة بشكل عام لتذكيرهم بطبيعتهم الأنثوية
  3. فى النتايج وجد العلماء انه فى الحالة الأولى تحت تأثير الستيريوتايب الشائع إن الآسيويين معدلات ذكاءهم مرتفعة بشكل عام (و هو ستيريوتايب إيجابى) كانت مستويات المرأة الآسيوية عالية فى حل الاختبار الرياضى، أما فى الحالة التانية تحت تأثير الستيريوتايب الشائع إن المرأة بشكل عام أقل ذكاءا من الرجل (و هو ستيريوتايب سلبى) كانت مستويات المرأة الآسيوية قليلة بشكل واضح بالمقارنة مع الحالة الأولى.

كيف تتكون هذه الصور النمطية ستيريوتايب داخل عقل الانسان ؟

  1. أولا لو اعتبرنا ان هناك وعاء ناقل للصور و الأفكار من هذا النوع، فهو أكيد مبطن بالجهل و الفقر و قلة الوعى بدرجات متفاوتة على حسب كل مجتمع.
  2. ثانيا الإعلام و الأفلام لهم دور عظيم فى انتشار الصور و الأفكار بسرعة رهيبة و التصاقها بأذهان الناس، مثل أفلام وحيد حامد و عادل إمام التي ساهمت