in

مراجعة رواية فئران أمي حصة – سعود السنعوسي

رواية فئران أمي حصة

قبل ما يقارب الثلاثين عاماً شاهدت مسلسل “على الدنيا السلام” الكوميدي الكويتي. كنتُ وقتها صغيراً جداً.. وكان القلاف يضحكني بطريقته بلفظ اسم بطلتي المسلسل محظوظة ومبروكة. ولربما يمكنني القول بأنه يستحيل على أي من أبناء جيلي ممن ولدوا وعاشوا في الكويت ألا يدخلوا جو هذه الرواية بسهولة. كل شيء فيها، ذلك الإغراق في ركن المكان الذي تخضع له الرواية، تلك الذكريات القديمة من أغنيات، وأحداث كحوادث المقاهي الشعبية وخطف الجابرية وبطولة الصداقة والسلام إلى ذلك الصيف الأسود عام 1990.

إن السنعوسي يذكرنا بتقديمه للتاريخ من خلال الرواية بالتقديم التاريخي الموظف بامتياز في الروايات الروسية. تولستوي مع الحملة الروسية في الحرب والسلام على سبيل المثال لا الحصر. ويذكرنا حتى بمسلسل آخر وظف فيه التقديم التاريخي بشكل ممتاز وهو “ليالي الحلمية” المصري الشهير والذي كان من تأليف أسامة أنور عكاشة.

مما لا شك فيه، اهتمام السنعوسي بالتقنية الروائية. فهو يعرض فكرته من خلال استخدامه لثلاث أزمنة في ذات الوقت. ولكي ينجح في ذلك قام باستخدام حيلة لطيفة.. أن البطل “كتكوت” قد كتب رواية اسمها “إرث النار” وكان السنعوسي يعرض لنا فصلاً من أحداث الزمن الحاضر –وهو المستقبل بالنسبة لنا- يليه فصل من رواية إرث النار. والجميل هنا، هو أن رواية إرث النار قد كتبها كتكوت عن حياته بالفعل.. إنما عن الزمن الماضي. أي أن تتالي الزمن بين الفصول يكون كالتالي: حاضر، ماضي، حاضر وهكذا. وقد يسبب هذا بالإضافة للإغراق المكاني واستخدامه للذاكرة الشعبية الكويتية صعوبة للقاريء غير المطلع على الثقافة الكويتية. وهذا يبرر لنا صعوبة النصف الأول من الرواية على الكثيرين ممن قرؤوها.

عام 1990 كان مفصلياً في تاريخ الكويت. ومما لا شك فيه. أن أحداث غزو العراق للكويت كانت صدمة عنيفة للوعي الكويتي. فالكويت ما قبل 1990 ليست هي ذاتها ما بعده أبداً.. ومن الجميل أن نرى ذلك معكوساً على بنية الرواية فنجد أن تسلسل الزمن الذي أشرتُ إليه سابقاً يختل حين يصل لهذا الزمن.. لنجد الفصول تتوالى عن ذات الزمن وهو فترة إحتلال العراق للكويت –سبعة شهور- إلى فترة التحرير. وما بعد التحرير يرجع التسلسل الزمني كما كان قبل فترة الغزو. وفي الواقع، كان عام 1990 مفصلياً للأمة العربية بأكملها.. ومن المثير للسخرية مدى الضرر الذي أدت إليه للقضية الفلسطينية خاصة مع الموقف الرسمي لمنظمة التحرير الداعم علناً لغزو الكويت. رغم أن القضية الفلسطينية كلها قائمة على قاعدة عدم أحقية احتلال دولة لأخرى في العصر الحديث ! كما أنه لم يمكن لأوسلو أن تكون لولا حادثة غزو الكويت. بعد غزو الكويت لم تعد فلسطين ذاتها. فقد أصبحت الضفة الغربية وغزة فقط في عيون القيادة الفلسطينية. في مشهد كاريكاتوري يعيد للأذهان كاريكاتور ناجي العلي الشهير الذي يصور فيه خيبة الأمل الفلسطينية من محمود درويش حين دعا للتعايش العربي اليهودي في ظل دولة واحدة. بعد عام 1990، لم تتوقف الخيبات بالتوالي..

للرواية تقسيم آخر، وهو من خلال الفئران الأربعة؛ شرر، لظى، جمر، وأخيراً مع رماد. وهؤلاء هم فئران أمي حصة.. وهي الحكاية التي لم تحكها حصة الجارة العجوز للكتكوت حين كان كتكوتاً حقاً. وحين كبر الكتكوت ليصبح ديكاً “منتوفاً” لا يقوى على شيء سوى الصياح قرر أن يكتب رواية إرث النار ليحذر الناس من الفئران تماماً كما فعلت فؤادة المجنونة في مسلسله المفضل القديم.

بدأت الرواية من مشهد كئيب في الحاضر وهذا الحاضر لا يشكل سوى أحداث يوم واحد فقط من ذلك المستقبل الكريه الذي يحذرنا السنعوسي منه لو بقيت الأمور على ما هي عليه. هو مشهد غامض.. حيث الكتكوت قد تعرَض إلى ما يشبه الحادث.. بركبة مرضوضة بقوة.. وسن مفقود.. وآلام في مؤخرة رأسه.. وسيارة مهشمة.. ولا يوضح لنا السنعوسي حقيقة ما حدث إلا في آخر قسم من الرواية.. رماد.

نلاحظ مدى ضحالة علاقة الكتكوت بوالده الذي يحتكر المال جلّ اهتمامه؛ فهذا الرجل الذي يتحسر على النفط الذي احترق في نهاية الغزو.. ويهتم بسوق المال أكثر من اهتمامه بكل ما يحدث من حوله. أما تأثير والدة الكتكوت فهو ينحصر بالتغليظ على ولدها بالأيمان العظيمة. هي تحبه بلا شك وتحرص عليه. ومن المثير أن نشاهد مدى تأثر وتعلّق الكتكوت بجيرانه والعجوز حصة بالذات مقارنةً بذويه.. ولربما كانت تلك الشهور الـسبع التي قضاها في منزلهم يبيت في غرفة العجوز حصة دور كبير في ذلك.

كتكوت وأيوب يمثلان أفراداً أصحاء، لا يستطيع الطاعون الإقتراب منهما وهما لتلك “البركة” يستطيعون شم تلك الرائحة الكريهة الحمضية التي تنبيء بوجود فئران في الجوار ! ومن الملفت أن نرى أن تنشئة كتكوت وأيوب هي لربما المسؤولة عن مثل هذه الحصانة ضد طاعون الطائفية. لكن، هناك نماذج أخرى في الرواية؛ صالح ابن حصة العجوز ووالد فهد من جهة.. ومن جهة أخرى؛ عباس ابن زينب ووالد صادق. وهما جارا الكتكوت وكان ثلاثتهم الكتكوت وفهد وصادق يقضون وقتهم معاً معظم الوقت في طفولتهم. إذن، صالح هو رجل سني قبلي.. متقلب في تعصبه حسب الزمن.. فهو زمن عبد الناصر كان متعصباً له وزمن قادسية صدام كان متعصباً له.. وما بعد 1990 بدأ في التعصب لمذهبه. بينما عباس رجل شيعي.. كان من البداهة أن ينحاز لصف الدفاع المقدس “اسم الحرب العراقية الإيرانية بالنسبة للشيعة”. لكن، هنا تكمن مشكلة حقيقية. كان العراق يحارب إيران ليس من منطلق مذهبي. بل لتصفية حساب قديم مع إيران ويحدث أن الوقت فيما بعد الثورة الإيرانية عام 1979 مناسباً جداً للعراق كي يصفي ذلك الحساب.. وبدأ في ذلك بالفعل عام 1980. حيث أنه من المعروف أنه وبسبب ثورة 1979 كان الجيش الإيراني في أضعف حالاته بسبب تصفية الجنرالات الموالين للشاه وإعادة هيكلة شاملة للجيش الإيراني فيما بعد الثورة. أي أن الحرب لم تكن لأسباب طائفية. فقد كان الجيش العراقي يحتوي على السني والشيعي يحاربان معاً جنباً لجنب ضد إيران. لكن ما حدث فيما بعد هو أن تم توظيف المذاهب لشحذ الهمم في دعم كل طرف.

من البديهي لكل العرب أن يقفوا خلف العراق. ومن البديهي أن تستغل القوى العالمية هذه الحرب لبيع الأسلحة وكلنا يعرف فضيحة إيران غيت زمن ولاية الرئيس رونالد ريغان الثانية والتي تم الكشف عنها حيث أن الولايات المتحدة التي كانت تدعم العراق علناً بالسلاح كانت أيضاً تبيع السلاح لإيران ! ما يهم هنا، هو أن عباس رغم أحداث المقاهي الشعبية واختطاف الجابرية كان متعاطفاً مع إيران. مع إحترامي الشديد لأي اعتبارات مذهبية. لكن، ألا يعتبر هذا السلوك خيانة لو كان في دولة أخرى وظروف أخرى ؟ التعصب مكروه على أي حال بكل تأكيد. وسلوك عباس هذا لا يجعل صالح رجلاً مخلصاً لوطنه أكثر. فعقلية التعصب لدى عباس هي ما دفعته لموالاة إيران.. وصالح يمتلك ذات العقلية إنما يحدث أن لها اتجاهاً مختلفاً. هذا كل شيء. ورغم أنهما قد أسرا أثناء الغزو العراقي للكويت. إلا أن ذلك لم يغير شيئاً في عقليتهما.. ومن المؤسف جداً أن نرى الحالة الوحيدة التي اتفقا فيها هي حين طردا أبا نائل الفلسطيني من منطقتهم بعد التحرير. وحينها برر صالح موقفه لابنه بأنه يطبق مبدأ أنا وابن عمي على الغريب. كم فعلت السياسة بنا الأفاعيل ! أعجبتني محاولة السنعوسي الموضوعية مع الجميع، فأظهر الطرف المخلص من الفلسطينين في الكويت.. وأظهر الطرف الخائن.. أظهر الجانب الجيد من أهل بلاده.. كما أظهر سلوكهم المشين. كما أظهر العراقي الغازي المجرم، وأظهر العراقي الشهم الذي قام بإعطائهم نقود الرشوة كي يتمكنوا من زيارة صالح وعباس في سجن البصرة. إنه من الطبيعي أن يكون الأمر كذلك في كل قوم. أليست تلك هي الحال دوماً ؟ فلا قوم يحتكرون الخير كله أو الشر كله. لكن ما يحدث هو أننا نزر وازرة بأخرى في كثير من الأحيان. وهكذا وصم كل العراقيين بالعار لدى الكويتيين مما اضطر من ينتمون لأصول عرا