in

رجب عبد المعطي – عملاء الموساد#8

في الأول من أكتوبر ١٩٣٧ امتلأ منزل الحاج عبد المعطي بلفيف من الأهل والأصدقاء جاءوا يباركون مقدم مولوده الأول “رجب“. ولأن الحاج عبد المعطي تاجر مشهور في حي القباري بالإسكندرية فالمولود جاء بعد انتظار طويل في شهر رجب – جاء رجب.

وبعد عدة أشهر حمل الرجل و زوجته أمتعتهما وحطا الرحال بأطهر أرض ورفعا أيديهما عند الكعبة يطلبان من الخالق جل شأنه أن يبارك لهما في رجب ويشكرانه على “عطيته”. وشب الوحيد نبتاً طرياً يأكل بملعقة من ذهب كما يقولون… فقد وفر له أبوه كل أسباب الرغد، وجعل منه شاباً خنوعاً مدللاً كان مدعاة لأن يخفق إخفاقاً ذريعاً في الحصول على الثانوية العامة .. ومع عدة محاولات أثمرت جميعها عن خيبة أمل للأب اغتر الابن و أوهم نفسه بأن له من العقل ما لم يملكه غيره… ويستطيع – بدون شهادات – أن يصبح رجل أعمال مشهوراً ينافس عمالقة السوق والميناء و وسوس له الشيطان أنه فقط بحاجة إلى فرصة يثبت من خلالها أنه عبقري زمانه الملهم.

حاول الحاج عبد المعطي إفاقة ابنه من سكرة الغرور وإعادته إلى طريق الصوات ففشل. إذ سيطرت على رجب عبقرية كاذبة نشأت من فراغ العقل والثقافة. وصار يحلم ليل نهار بشركة رجب للخدمات البحرية.

ولما امتنع والده عن إمداده بالمال اللازم حتى يتحصن بالخبرة مضطراً وافق رجب على العمل في وظيفة كاتب حسابات بميناء الإسكندرية إرضاء لوالده. واستغرق في عمله الجديد حتى توسعت مداركه واستوعب الكثير من الخبرة بعد الاحتكاك الفعلي في الحياة.

وبعد ثلاث سنوات من العمل في الميناء لم ينس حلمه الكبير ففاتح أباه و هذه المرة كان عنده إصرار عنيد على ألا يرجع. فلما عارضه والده بشدة غادر المنزل غاضباً و تحت ضغوط الأهل والأصدقاء رضخ الأب أخيراً أمام رغبة ابنه و أمده بعدة آلاف من الجنيهات و هو على ثقة من فشله وخسارته و غمره للمرة المليون إحساس بندم شديد لأنه دلل ابنه وفتح له منذ الصغر خزينة أمواله بسحب منها كيفما يشاء و لكن …فات الأوان وحسم الأمر … !!

كانت النتيجة المؤكدة خسارة جسيمة مُني بها و فشلاً ما بعده فشل و ديوناً تزاحمت بأرقامها دفاتره وجاءت نكسة يونيو ١٩٦٧ وتعم حالة كساد ازدادت معها الأمور سوءاً، وحاول رجب باستماتة أن يقوم التيار القوي فخارت قواه وغرق في ديونه و قام بتصفية الشركة وحزم حقائبه ووجد نفسه على ظهر مركب يشق مياه البحر إلى ميناء “بيريس” في اليونان.

نزل ببنسيون “بروتاجوراس” وحاول جاهداً أن يعثر على عمل لكنه باء بالإخفاق فلجأ إلى بحار يوناني يدعى “زاكوس” ربطتهما معاً إحدى سهرات الاسكندرية و كذب عليه مدعياً أنه ينجز إحدى صفقاته التجارية واستولى منه على خمسمائة دراخمة و هرب إلى “أثينا” العاصمة حيث ضاقت به المدينة الساحلية الساحرة و وجد في أثينا أن الحياة بها أكثر ضجيجاً وحركة.

و في بنسيون “زفيروس” جلس يفكر فيما وصل إليه من حال سيئة: لقد مر به شهر تقريباً ولم يعثر على عمل بعد. إنه الآن عاطل ينفق ليعيش وعما قريب ستنفذ دراخماته فماذا سيعمل؟ هل ضاقت به الحياة أيضاً في أثينا؟

مئات من المصريين جاءوا إلى اليونان يعملون في أي شيء وكل شيء لكنه يبحث عن عمل من نوع آخر يتناسب وعبقريته و كثيراً ما حدث نفسه قائلاً “لا أحد يفهمني في هذا العالم”… لقد صور له خياله أنه مضطهد .. ومعظم عباقرة العالم اضطهدوا أيضاً قبله و ها هو يواجه قوى الاضطهاد التي تطارده أينما حل وعليه بالصبر حتى يكتب له النجاح.

و بينما هو يتجول في شارع “سوفوكليس” التقى بشاب مصري من برديس جنوبي سوهاج يعمل في مصنع للعصائر عرض عليه أن يعمل معه في قسم التغليف لكنه أبى بشدة أن يعمل بوظيفة تافهة كهذه واستعرض له سيرة حياته السابقة في مصر فما كان من الشاب الصعيدي إلى أن نصحه بالعودة إلى الإسكندرية لكي لا يقع فريسة سهلة في قبضة المخابرات الإسرائيلية التي تتصيد الشباب المصري العاطل في اليونان وتغريه بالعمل معها مقابل مبالغ كبيرة ، سخر رجب في داخله من نصيحة الشاب له بالعودة فقد كان والده يعاني الأمرين من حجم الديون التي خلفها له ومن مطاردة الدائنين في المتجر كل يوم.

تزاحمت الأفكار في رأسه وغمرته إحساسات اليأس من صلاح أمره في أثينا والخوف من العودة يجر أذيال الخيبة والفشل .. وداهمه شعور بالضآلة وقال لنفسه “لن أيأس .. لن أستسلم أبداً مهما حدث”.

أيقظته دقات الباب من أفكاره وكان الطارق موظف حسابات البنسيون. فطلب منه إمهاله عدة أيام وما كانت جيوبه تحوي سوى دراخمات قليلة لا تكفي لأسبوع واحد إلا بالكاد.

هرب منه النوم واختنق صدره واهتزت أمامه الرؤى وعندما تذكر مقولة الشاب الصعيدي “المخابرات الإسرائيلية تدفع الكثير” قال لنفسه “لن أخسر أكثر مما خسرت” وأمسك بالقلم ليكتب:

السيد المبجل / سفير دولة إسرائيل في أثينا

أنا موظف مصري أقيم في بنسيون زفيروس. ضاقت بي الدنيا وظلمتني في الإسكندرية وفي أثينا. قال لي البعض إنكم تمدون يد المساعدة لكل من يلجأ إليكم وأنتم الملجأ الأخير لي. فأرجو أن أنال عطفكم واهتمامكم.

رجب عبد المعطي أثينا ٢٧-١٢-١٩٦٧

ولم تكد تمر ثلاثة أيام – حتى فوجئ بمندوب من السفارة الإسرائيلية ينتظره في صالة الاستقبال فاصطحبه إلى السفارة وهناك قابلوه بود وقالوا له: وصلتنا رسالتك ولم نفهم منها ماذا تريد بالضبط؟

أجاب بصوت يغلفه الرجاء: أريد أن أعمل في أثينا.

سلمهم جواز سفره وتركوه ثلاث ساعات بمفرده ثم جاءوا له باستمارة من عدة صفحات تحمل اسم السفارة وشعار دولة إسرائيل وطلبوا منه أن يملأها ويكتب سيرة حياته وأسماء أصدقائه وأقاربه ووظائفهم.

وبعدما تبين لهم أنه أمضى ثلاث سنوات في العمل داخل ميناء الإسكندرية طلبوا منه أن يكتب تقريراً مفصلاً عن الميناء وأهميته الاقتصادية والعسكرية ففعل و استعرض ما لديه من مظاهر “العبقرية” الفذة في شرح كل شيء عن الميناء بتفصيل مطول فأذهلتهم المعلومات التي كتبها عن الميناء وأدرك ضابط الموساد الذي شرع في استجوابه بأنه وقع على كنز ثمين عليه أن يعمل على استثماره و”حلْب” ما لديه من معلومات.

وفي الحال سددوا حسابات البنسيون كافة ونقلوه إلى فندق “أورفيوس” و أعطوه مائتي دولار أمريكي وتركوه عدة أيام يمر نهاره وهو يغط في سبات عميق وفي الليل يتذوق طعم السهر في حانات و كباريهات أثينا و عندما نفدت نقوده تماماً ود لو عاد إليه مندوب السفارة الإسرائيلية ببعض المال ليكمل مسيرة اللهو والسكر.

وحدث ما توقعه وجاءه المندوب بمائتي دولار أخرى فاستغرق في مجونه وتمنى لو استطاع أن يفعل أي شيء في سبيل أن يحيا حياة مرفهة في أثينا. أغرقته المخابرات الإسرائيلية بالمال حتى اطمأن إلى رجالها وكلما نفدت نقوده ذهب بنفسه لمقابلة أبو ابراهيم في السفارة الاسرائيلية يعرض عليه خدمات مقابل الدولارات التي يأخذها.

اندفع رجب بكل ثقله باتجاه المخابرات الإسرائيلية وصادق الكثير من ضباطها في أثينا ظناً منه أنهم سينقذونه من شبح الإفلاس الذي تعلق بتلابيبه ولا يود مفارقته و رحب كثيراً بضابط الموساد – أبو إبراهيم – الذي فوجئ به يزوره في حجرته بالفندق الفخم ويحدثه طويلاً عن أزمة الشرق الأوسط والوضع المتفجر في المنطقة بسبب الحروب مع العرب وحقهم في أن يعيشوا فوق أرض الميعاد في سلام وأمان وأنهم ليسوا شعباً يحب سفك الدماء بل أمة مشردة ضعيفة تسعى إلى العيش في هدوء بلا حروب أو صراعات.

واستعرض أبو إبراهيم في سرد أساطير وأحاجي اللص الذي يبرر مشروعية سرقاته ثم سأل رجب فجأة: هل ترحب بالعمل معنا لصالح السلام؟

والابتسامة تملأ وجهه : بالطبع ولكن أي عمل بالتحديد؟

أخرج ضابط الموساد الخبير أربع ورقات ذات المائة دولار ودسها في يد رجب وهو يقول: أنت كثير الأسئلة … هل تعتقد أننا نريدك سفيراً لنا في مصر؟

إذن .. ما هو المطلوب مني؟

ألا تسأل كثيراً لكي لا أغضب منك .. عليك فقط أن تعرف أننا أصدقاء .. وأن لكل حديث أوان.

هز رجب رأسه علامة على الرضوخ والطاعة ولحقه أبو إبراهيم بسؤال ذا مغزى:

هل لك صديقة في أثينا؟

أجابه على استحياء: هجرتني فتاة تدعى انكسيميندرا لأنني لا أعرف اللغة اليونانية وقد ضاقت بإنكليزيتي الركيكة.

أوه … أتقصد تلك الفتاة التي يملأ النمش وجهها؟ دعك منها وسوف أعرفك بفتاة رائعة تتحدث بالعربية وستكون معك ليل نهار في أثينا.

تهلل وجهه وارتفع حاجباه دهشة وقال: أين هي؟ أريدها حالاً…

ستكون إلى جوارك في الطائرة أثناء رجوعك من تل أبيب.

بهت رجب ووقف فجأة كالملسوع وقال بصوت متلعثم: تل أبيب

نعم … !!

بسرعة قالها ضابط الموساد بلغة الواثق، وأضاف كأنه يأمره بتنفيذ قراره الذي لا رجعة فيه:

ستسافر إسرائيل بعد عدة أيام .. وفي الغد عليك أن تحضر اجتماعاً مهماً في السفارة لمناقشة خطوات تنفيذ هذا الأمر فهل عندك اعتراض؟

هربت الكلمات وغاصت في قرار عميق … وأجاب رجب الذي بدا كالأبله لا يضبط خلجاته:

لا … لا … أنا لا أعترض … إنها مفاجأة لي.

عندما كتبنا تقريراً عنك وأرسلناه إلى إسرائيل… طلبوا منا أن نأخذك في رحلة سريعة إلى هناك ليتعرفوا عليك أولاً وثانياً هناك مفاجأة سارة تنتظرك. وثالثاً: لتختار صديقتك بنفسك من بين أجمل فتياتنا وتصحبها معك إلى أثينا.

سكت رجب ولاحقه أبو إبراهيم:

المخابرات الإسرائيلية إذا أعطت فهي سخية بلا حدود. وإذا غضبت ومنعت فطوفان من الهلاك قادم و ثق يا رجب أننا ودودون معك إلى أقصى درجة .. أعطيناك أكثر من ألف وخمسمائة دولار حتى الآن ولم نطلب منك أدنى شيء. ألا يدل هذا على كرم منا أيها المكار؟، وربت كتف رجب الغارق في ذهوله وهو يقول في لغة ظاهرها الثقة وباطنها التهديد والبطش:

عليك ألا تضيع هذه الفرصة انتهزها واركب قارب النجاة تنج نفسك من الطوفان والهلاك.

و عندما قام ضابط الموساد منصرفاً لم يستغرق رجب في التفكير كثيراً. لقد ثبتت لديه النية واتخذ قراره و في الصباح الباكر كان يقف أمام باب سفارة إسرائيل تعلوه سحابة انكسار و بعينيه بريق خنوع

استغرق الاجتماع به نحو الساعة كانوا أربعة من ضباط الموساد في أثينا وخامساً جاء من فيينا كان يبدو أنه أكبرهم دراية بالتعامل مع الخونة وتطويع الجواسيس. طلب من رجب أن يرسم له خريطة الميناء في الاسكندرية وأين يقع مكتبه بالضبط؟!! وفوجئ رجب بماكيت مصغر للميناء دخل به موظفان ووضعاه على منضدة تتوسط الحجرة ..

أخذ رجب يشرح بتفصيل أكثر معلوماته عن الميناء. بل ويحدد أماكن مخازن التشوين التجارية ورصيف الميناء الذي يستقبل السفن الحربية السوفيتية و سفن الشحن التي تجيء بالأسلحة المختلفة من ميناء أوديس السوفييتي على البحر الأسود ومخازن تشوين السلاح المؤقتة وبوابات التفتيش والمداخل والمخارج.

وهكذا استمر يشرح لهم أسرار الميناء الحيوي، ولم يتركوا أدق التفاصيل إلا وسألوه عنها ثم طلبوا منه الانصراف والعودة صباح اليوم التالي ومعه أربع صور فوتوغرافية وجواز سفره. وبعد أن سلمهم الصور تسلم منهم وثيقة سفر إسرائيلية ذكر بها أنه إسرائيلي من تل أبيب واسمه “دافيد ماشول” تسلم كذلك تذكرة سفر بالدرجة السياحية – أثينا تل أبيب على شركة العال الإسرائيلية – وأوصله مندوب من السفارة إلى المطار وتأكد من صعوده إلى الطائرة المتجهة إلى إسرائيل.

وعندما جلس رجب في مقعده بالطائرة كان جسده يرتجف بشدة وتشوشت أفكاره للدرجة التي أصبح فيها كالمخمور الذي فقد تركيزه واتزانه وسرعان ما استعاد ثقته