الفهرس
عرفت مصر منذ فجر التاريخ بأنها أرض النيل والخير والرخاء، وهي البلاد التي لطالما تغنى بها الشعراء وافتتن بها المؤرخون بوصفها قلب الحضارة ومصدر العطاء. فبفضل نهر النيل ارتبط اسم مصر بالازدهار وظل المصريون يتمتعون باستقرار نسبي في الغذاء والمعيشة مقارنة بكثير من شعوب العالم القديم. إلا أن هذه الصورة الوردية لم تكن دائمة فقد عرف التاريخ المصري أيضًا فترات سوداء، ساد فيها الجوع وانهار فيها النظام وسقطت فيها القيم تحت وطأة الحاجة والبؤس.
ومن بين كل هذه الأزمات تبقى “الشدة المستنصرية” التي وقعت في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، أكبر وأبشع المجاعات التي مرت بها مصر، ليس فقط بسبب ما خلفته من ضحايا بل بسبب المدى الذي بلغته من الفوضى والانهيار الشامل. إنها المجاعة التي تحولت فيها القاهرة من مدينة تعج بالحياة والترف إلى مسرح مظلم لأبشع صور الفقر والجنون الإنساني. انتشرت فيها مشاهد أكل لحوم البشر ونبش القبور واختفاء الحيوانات الأليفة من الشوارع، حتى قيل إن رغيف الخبز بيع بأضعاف ثمن الذهب، وإن المرأة كانت تبيع عقدها الثمين لتشتري به كسرة خبز لا تسمن ولا تغني من جوع.
الشدة المستنصرية التي استمرت لسبع سنوات عجاف (457 هـ – 464 هـ) لم تكن كارثة طبيعية فحسب، بل كانت نتيجة تضافر عوامل متعددة: انخفاض منسوب نهر النيل، تفكك السلطة المركزية، استبداد الجيش، الفتن الداخلية، غياب الكفاءات الإدارية، وفساد الحاشية. وقد اجتمع كل ذلك في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله الذي حكم مصر لأطول فترة في التاريخ الإسلامي والتي امتدت لأكثر من ستين عامًا. وعلى الرغم من بدايات حكمه المزدهرة إلا أن نهاياته كانت أشبه بانهيار كامل لدولة بأكملها.
لقد عاش المصريون خلال هذه الفترة على هامش الحياة تحاصرهم الأوبئة من كل جانب وتطاردهم المجاعة في كل مكان. لم تعد هناك دولة تحميهم ولا جيش يرد عنهم ولا إدارة تنقذهم. فقط الخراب والدمار واليأس. ومع ذلك فقد كانت هناك نقطة تحول تمثلت في قدوم القائد العسكري بدر الجمالي من عكا الذي استدعاه المستنصر نفسه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وبهذا الرجل بدأت مصر تنهض من تحت الأنقاض وبدأت الدولة الفاطمية تستعيد بعضًا من توازنها.
في هذا المقال سنغوص معًا في تفاصيل الشدة المستنصرية ونعود إلى تلك الأيام الحالكة التي سُجلت بحروف من دم في صفحات التاريخ المصري. سنبدأ بالتعريف بالخليفة المستنصر وظروف حكمه ثم نحلل الأسباب التي أدت إلى الشدة ونرصد مظاهر الانهيار، ونتتبع خطوات الإنقاذ التي قادها بدر الجمالي. كل ذلك بلغة موثقة دون مبالغات أو إنشائية مع احترام كامل للدقة التاريخية ليكون مرجعًا لمن أراد الفهم والتأمل.
فلتبدأ الرحلة إلى واحدة من أكثر المحطات ظلمة في تاريخ مصر.
الخلفية التاريخية: الخليفة المستنصر بالله
ولد المستنصر بالله واسمه الكامل أبو تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله في عام 420 هـ (1029 م) في مصر، ونُصّب وليًّا للعهد وهو لا يزال طفلًا في الثامنة من عمره. بعد وفاة والده الظاهر اعتلى المستنصر بالله العرش رسميًا سنة 427 هـ (1035 م) وكان لا يزال في سن السابعة، ليكون بذلك من أصغر من تولوا الخلافة في التاريخ الإسلامي.
ينحدر المستنصر من نسب رفيع يعود إلى آل البيت، مما عزز مكانته الدينية والسياسية في الدولة الفاطمية التي كانت تقوم على الشرعية الدينية الشيعية الإسماعيلية. وقد أجمع المؤرخون على أن المستنصر لم يكن فاسدًا ولا ظالمًا بل كان كريمًا، سخيًّا، وعادلاً، يحظى بمحبة الشعب، وكان يقضي حوائجهم ويستمع إلى شكاواهم بنفسه. ومن أوجه عنايته برعيته أنه فتح خزائن الأدوية في قصره لعلاج المرضى مجانًا.
شهدت مصر في بداية حكم المستنصر بالله رخاءً واسعًا، وكانت القاهرة الفاطمية في أوج ازدهارها. وقد وصف الرحالة الفارسي ناصر خسرو المدينة بأنها مدينة مترفة مليئة بالخيرات والقصور والبساتين، وأسواقها تعج بكل أنواع البضائع من الحبوب إلى الفواكه بأسعار زهيدة. وقال إن بيوت القاهرة فسيحة، متباعدة، يزينها الشجر حتى فوق الأسطح وتبدو كأنها قصور من الجواهر وليست مبنية من الطوب.
كانت هذه الفترة تُعد العصر الذهبي للدولة الفاطمية، فاسم الخليفة المستنصر كان يُذكر في الخطب من المحيط الأطلسي إلى الحجاز وبغداد والموصل. وكانت صورته السياسية مستقرة وتحت سلطته إمبراطورية واسعة تمتد من شمال أفريقيا إلى الشام والحجاز.
لكنّ هذا الاستقرار لم يدم طويلًا، فمع مرور السنوات بدأت البلاد تتعرض لسلسلة من الأزمات الطبيعية والسياسية والاقتصادية، وضُربت في قلب إدارتها المركزية. وبالرغم من حسن نوايا الخليفة وسيرته الطيبة إلا أن ضعف السيطرة على الجيش وتغوّل الحاشية والوزراء أدى إلى تآكل الحكم تدريجيًا. وقد كانت تلك هي البذور الأولى لما سيُعرف لاحقًا بالشدة المستنصرية.
جذور الأزمة: مقدمات المجاعة قبل عام الشدة
لم تكن الشدة المستنصرية انفجارًا مفاجئًا بل كانت نتيجة سلسلة طويلة من الاضطرابات المتراكمة التي بدأت قبل سنوات من حلول سنة 457 هـ. ويمكن تقسيم جذور الأزمة إلى أربعة محاور رئيسية: التغيرات المناخية، ضعف الدولة، سوء إدارة الموارد، والصراعات الداخلية. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى دخول مصر في دوامة انحدار انتهت بكارثة شبه كاملة.
أول المؤشرات المقلقة ظهرت في سنة 426 هـ حين ضربت مصر مجاعة بسبب تكاثر الفئران التي قضت على المحاصيل وتزامن ذلك مع انتشار وباء مما أضعف البنية الغذائية والصحية للدولة. ثم تكررت الأزمات في سنة 444 هـ (1052 م) إذ انخفض منسوب النيل وواجهت البلاد أزمة اقتصادية خانقة. اللافت أن المؤرخ تقي الدين المقريزي يؤكد أن زيادة النيل في تلك السنة بلغت سبعة عشر ذراعًا وخمسة أصابع وهو رقم لا يدل على أزمة كارثية ما يدل على أن المشكلة لم تكن في النيل وحده.
الأزمة الأكبر كانت غياب الرؤية السياسية. فقد بدأت والدة المستنصر بالتدخل في شؤون الحكم وبدأت تغير الوزراء كما يُغير اللاعبون قطع الشطرنج. الوزير الذي برز في تلك المرحلة كان أبو محمد علي اليازوري الذي أمسك بالدواوين وأصبح يتحكم بالقرار الاقتصادي. وكان من عادة الخلفاء أن يشتروا كميات ضخمة من الغلال لتخزينها ثم طرحها في السوق في أوقات الشدة لتثبيت الأسعار. غير أن اليازوري أقنع الخليفة بعدم شراء الغلال في السنة التي شهدت انخفاضًا في منسوب النيل وكانت هذه ضربة قاصمة.
خواء المخازن الغذائية في الدولة مع بداية الأزمة جعل الوضع يتدهور بسرعة. فحين عاد النيل إلى الانخفاض مجددًا في سنة 446 هـ لم تكن هناك مخزونات كافية لمواجهة الأزمة، وبدأت المجاعة تضرب بعمق. ومع تفشي الجوع لم تعد العلاقات الخارجية مجدية، حيث فشلت محاولات استيراد القمح من بيزنطة بعد تعقيد سياسي قاد إلى قطيعة على إثر رفض الوزير اليازوري شروط الإمبراطورة تيودورا بعقد تحالف دفاعي.
ومع فشل الحرب ضد الروم وتفاقم الفوضى في الجهاز الإداري باتت الدولة منهكة تمامًا. ازداد تحكم الجنود بالشارع وسادت الفتن بين الفصائل داخل الجيش، لا سيما بين العبيد السود والجنود الأتراك. بدأت المجاعات تتكرر عامًا بعد عام وفي سنة 447 هـ ارتفع سعر كيس القمح إلى ثمانية دنانير، وأصبح الحصول على الخبز حلمًا للفقراء. وازدادت الأمور سوءًا مع تفشي وباء الجدري الذي أودى بحياة عشرات الآلاف، حتى قيل إن المستنصر تكفل بدفن أكثر من عشرين ألفًا من ضحايا الوباء على نفقته.
هذه التراكمات كلها لم تكن سوى التمهيد لكارثة كبرى إذ كانت مصر على أعتاب دخول السبع سنوات العجاف، التي تُعرف في كتب التاريخ بالشدة المستنصرية. وقد أكد المؤرخون أن أسباب المجاعة لم تكن بيئية فقط بل كانت في جوهرها سياسية وإدارية بسبب انهيار القيادة وضعف المؤسسات وتغوّل العسكر.
في القسم التالي سننتقل إلى وصف مفصل لأحداث الشدة المستنصرية سنةً بسنة، وما جرى فيها من فوضى غير مسبوقة في تاريخ مصر.
سنوات الشدة المستنصرية (457 – 464 هـ)
حين دخلت مصر سنة 457 هـ بدأت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها المدون. تلك السنوات السبع التي سُمّيت بالشدة المستنصرية، كانت أشبه بجحيم مفتوح على أرض وادٍ كان يُعرف بالخصب والعطاء. لم تكن الشدة أزمة جوع عادية بل كانت حالة انهيار شامل للدولة والمجتمع، حيث اختلط الجوع بالوباء والفوضى بانعدام الأمن، وأصبحت القيم الإنسانية في أدنى درجاتها.
مع بداية الشدة شهدت البلاد ارتفاعًا جنونيًا في أسعار المواد الغذائية. فقد وصل سعر رغيف الخبز إلى أربعة عشر دينارًا بينما بيع أردب القمح بمائتي دينار، وهو مبلغ خيالي في ذلك الوقت. حتى البيضة وصلت إلى عشرة دراهم وهو ما يعادل قوت يومٍ لعائلة كاملة. هذه الأسعار لم تكن نتيجة الجفاف فقط بل أيضًا نتيجة تفشي الاحتكار، وانعدام السلطة التي تُنظم الأسواق وفقدان الدولة لسيطرتها على التجار والجند.
في تلك السنوات اختفت الحيوانات من الشوارع، بعدما أصبحت هدفًا للجياع الذين بدأوا يأكلون الكلاب والقطط وكل ما يتحرك. ومع اختفاء هذه الحيوانات بدأ الناس في أكل الجيف، بل وتطورت الأمور إلى ما هو أبشع حيث سجل المؤرخون مشاهد مرعبة لأناس نبشوا القبور وأكلوا الموتى وأحيانًا أكل بعضهم بعضًا. وروى المؤرخ شهاب الدين النويري حادثة مفزعة عن مجموعة من العبيد اختطفوا امرأة بدينة ليأكلوها ولكن الأهالي أنقذوها ليكتشفوا في منزلها جماجم وبقايا بشرية تفوق الألف.
لم يكن الموت حكرًا على المجاعة بل إن الأوبئة زادت الطين بلة. ففي خلال عشرة أشهر من عام 455 هـ مات ما يقرب من 18,000 شخص يوميًا، بحسب بعض التقديرات، بسبب تفشي الطاعون والجدري وأمراض أخرى انتشرت نتيجة فساد البيئة وتلوث المياه ونقص التغذية. ومن شدة الوفيات لم يعد الناس يملكون أكفانًا كافية فكانوا يلقون بالجثث في نهر النيل مما زاد من انتشار الأمراض.
السلطة المركزية كانت قد تفككت تمامًا. المستنصر بالله الذي كان قد باع ممتلكاته ومجوهرات القصر، بل حتى رخام قبور أجداده لم يكن يملك شيئًا سوى حصير ينام عليه. وكانت والدته قد هربت إلى بغداد بعد أن أسهمت في تدهور الوضع بتدخلها السياسي. أما الجيش فقد تحول إلى عصابات مسلحة لا تهمها سوى مصالحها. وكان كل من أراد الهروب من القاهرة يدفع رشى لحراس الطرق التي أصبحت ممرات للنهب والقتل.
في خضم هذا الانهيار شهدت مصر أيضًا أول مظاهرة نسائية مسجلة في التاريخ، حيث قادت أرملة الأمير جعفر بن هشام احتجاجًا أمام قصر الخليفة رافعة رغيف خبز صغيرًا اشترته بعقد قيمته ألف دينار لتُظهر للمستنصر مدى الانهيار. وعلى الرغم من استجابة شكلية من القصر فإن المشهد العام ظل كما هو: خراب شامل وبلد ممزقة بلا قائد فعلي.
بلغت الفوضى ذروتها حين اندلعت الحرب بين جنود المستنصر من العبيد السود والجنود الأتراك فانقسمت مصر فعليًا إلى قسمين: الجنوب تحت سيطرة العبيد والشمال خاضع لناصر الدولة بن حمدان الذي تحدى المستنصر نفسه واستولى على مدينة الفسطاط. ولم يكن للخليفة سلطة تُذكر سوى ما سمح له به العسكريون.
لقد مثّلت الشدة المستنصرية انهيارًا تامًا لدولة بكاملها حيث لم تكن الكارثة طبيعية بقدر ما كانت انعكاسًا لفشل سياسي وإداري عميق. وكانت نهاية هذه المرحلة بحاجة إلى تدخل خارجي صارم يعيد الأمور إلى نصابها. وكان هذا التدخل على يد بدر الجمالي الذي سنتناول دوره في القسم التالي.
بدر الجمالي: القائد الذي أنقذ مصر من الهاوية
وسط هذا الظلام الدامس لمع اسم بدر الجمالي كطوق نجاة استثنائي لدولة على وشك الفناء. كان بدر الجمالي أحد القادة العسكريين الكبار وأصله أرمني، وقد تولى إدارة عكا في بلاد الشام بتفويض من الدولة الفاطمية. ومع تزايد فوضى الجيش وتردي الأوضاع استنجد به الخليفة المستنصر بالله برسالة شديدة اللهجة قال فيها: “فإن كنت ماكولًا فكن أنت أكلي” تعبيرًا عن رغبته في أن ينهض بدر الجمالي بإنقاذ مصر حتى لو كانت السلطة كلها ستؤول إليه.
وافق بدر الجمالي على القدوم إلى مصر مشترطًا أن يُمنح صلاحيات مطلقة وأن يُقصى كل من في المناصب من عساكر ووزراء وهو ما وافق عليه المستنصر دون تردد. بدأ الجمالي تجهيز حملة عسكرية من رجاله المخلصين وجهّز أسطولًا بحريًا وانطلق من عكا إلى دمياط ومن هناك إلى القاهرة.
لم يكن وصول بدر الجمالي إلى مصر مجرد زيارة عسكرية بل كان انقلابًا حقيقيًا على الفوضى. فقد تمكن خلال فترة قصيرة من إعادة السيطرة على الأقاليم بدءًا من القاهرة والفسطاط مرورًا بالدلتا وحتى الإسكندرية، حيث قتل ناصر الدولة بن حمدان وابنه وأكثر من ألفي مقاتل متمرد. كما قضى على الفصائل الخارجة عن القانون في الصعيد من عبيد السودان والثعالبة واستعاد هيبة الدولة.
ومن أبرز إنجازاته أنه طهّر العاصمة من اللصوص والعصابات وفرض هيبة الجيش من جديد وشرع في إصلاحات شاملة. رمّم الجسور، نظّف الترع، أعاد تشغيل شبكات الري، شجع الفلاحين على العودة إلى الزراعة وأعاد حركة الأسواق تدريجيًا. كما أمر ببناء سور جديد حول القاهرة لحمايتها من غارات البربر والسلاجقة.
سياسيًا أعاد بدر الجمالي نفوذ الخلافة الفاطمية في الشام ومدن الساحل وفرض سيطرة الدولة على الطرق التجارية. داخليًا، أعاد تنظيم الدواوين وأحكم القبضة على الجيش، وبدأ عهدًا جديدًا عرف لاحقًا بـ”عصر الوزراء العظام” حيث أصبح الوزير هو صاحب القرار الأول في الدولة بينما ظل الخليفة رمزًا دينيًا وشكليًا فقط.
وفي إطار ترسيخ سلطته بنى مسجد الجيوشي الشهير على جبل المقطم والذي ظل شاهدًا على دوره المحوري في إنقاذ البلاد. كما جدّد منشآت القاهرة ووسع جامع أحمد بن طولون وأعاد ترميم المؤسسات العامة.
بدر الجمالي لم يكن مجرد قائد عسكري بل كان رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقد أدرك أن إنقاذ مصر لا يكون بالسيف وحده بل بالتنظيم والحزم والسيطرة على مفاصل الدولة. لقد حوّل مصر من حطام ممزق إلى كيان متماسك استطاع أن ينهض مجددًا وهو ما مهد لاحقًا لفترات من الاستقرار النسبي في ظل الدولة الفاطمية.
وبوفاته سنة 487 هـ (1094 م) طُويت صفحة حاسمة من صفحات الإنقاذ الوطني في التاريخ المصري. لكن أثره ظل راسخًا بوصفه الرجل الذي أنقذ مصر من كارثة كادت تزيلها من الخريطة.
الأسباب الحقيقية للشدة المستنصرية: تحليل في جذور الانهيار
تُعد الشدة المستنصرية نموذجًا تاريخيًا صارخًا لكيفية تفاعل العوامل السياسية والاجتماعية والطبيعية لإنتاج كارثة إنسانية. وقد جرت العادة على اختزال أسباب الشدة في عامل واحد وهو انخفاض منسوب نهر النيل، لكن هذا التبسيط يُجافي الحقيقة التاريخية ويغفل عن شبكة معقدة من الأسباب الأكثر عمقًا وتأثيرًا. ويجمع المؤرخون المحدثون بناءً على الروايات المدونة أن السبب الحقيقي لا يكمن في النيل وحده، بل في الإنسان وتحديدًا في ضعف الدولة وتفكك السلطة وسوء الإدارة.
أول الأسباب المباشرة كان غياب القيادة الحازمة. فرغم أن المستنصر بالله كان حاكمًا محبوبًا وعادلًا في بداياته إلا أن طول فترة حكمه التي امتدت لأكثر من ستين عامًا شهدت تدهورًا تدريجيًا في سلطته. فقد نشأ صغيرًا على العرش وتولت أمه شؤون الحكم في بداياته واستمرت في التأثير على القرار السياسي لعقود. هذا التمدد في نفوذ الحاشية أفسح المجال لصراعات داخلية بين الوزراء والعسكريين وأفراد البلاط فأصبحت الدولة تُدار بالمزاج والولاءات لا بالمصلحة العامة.
ثاني الأسباب كان ضعف المؤسسة العسكرية وتحوّلها إلى أداة للفوضى بدلًا من الحماية. فقد انقسم الجيش الفاطمي إلى فصائل متناحرة أبرزها العبيد السود والجنود الأتراك، الذين تنازعوا النفوذ وشنّوا حروبًا داخلية في شوارع المدن وتحولت مصر إلى ساحة اقتتال دائم. ومع فقدان الدولة سيطرتها على الجيش بات الجند يتصرفون كما يشاؤون، ينهبون، يفرضون الإتاوات، ويقتلون دون حسيب.
ثالثًا، جاء الانهيار الإداري والاقتصادي ليفاقم الأزمة. ففي سنة 444 هـ، اتُخذ القرار الكارثي بعدم شراء الغلال وتخزينها مما أدى إلى خلو مخازن الدولة من الاحتياطي الغذائي في اللحظة الحرجة. وعندما انخفض منسوب النيل في السنوات اللاحقة لم تجد الدولة ما تسد به رمق الناس. ثم جاءت الحرب مع بيزنطة التي فشل فيها الجيش الفاطمي لتُغلق أبواب الاستيراد خصوصًا بعد رفض شروط التحالف مع الإمبراطورة تيودورا.
رابع الأسباب كان التفكك المجتمعي والأخلاقي. فمع تفشي الجوع والوباء تآكلت منظومة القيم وانتشر أكل لحوم الموتى ووقعت حوادث مرعبة كان ضحيتها حتى الأطفال. وتحوّلت الجريمة إلى وسيلة للبقاء وانطفأت مشاعر التعاطف والتكافل ولم يعد للسلطة وجود في الشوارع ولا للأمان حضور في الأسواق.
خامسًا، لا يمكن تجاهل العامل الطبيعي المتمثل في التغيرات المناخية المفاجئة التي أدت إلى ضعف فيضان النيل لعدة أعوام. ولكن حتى هذا العامل كان يمكن احتواؤه كما حدث في أزمات سابقة لو كانت الدولة تمتلك إدارة قوية ومخزونًا استراتيجيًا.
سادسًا، كانت الأزمة أيضًا نتيجة لانقطاع طرق التجارة. فمع انهيار الأمن توقفت القوافل وهُجرت الأراضي الزراعية وأصبح من الصعب نقل السلع بين الأقاليم. فحتى الذين امتلكوا الغذاء لم يستطيعوا توزيعه أو ترويجه ما فاقم من نقص المعروض ورفع الأسعار بشكل كارثي.
كل هذه العوامل تفاعلت في زمن واحد وأنتجت كارثة لم يكن للناس طاقة بها. وكان دروس الشدة المستنصرية واضحة: الدولة التي تضعف مؤسساتها ويتفكك جيشها وتنهار منظومتها الإدارية تصبح فريسة سهلة لأي كارثة طبيعية. فالفيضان الضعيف قد يكون شرارة لكن الحريق لا يندلع إلا في بيت هش البنيان.
في القسم الختامي سنستعرض الدروس المستفادة من هذه الشدة، ونربط الماضي بالحاضر في محاولة لفهم كيف نحمي مجتمعاتنا من الانهيار إذا ما تكررت الظروف نفسها.
الخاتمة: دروس من الماضي واستشراف للمستقبل
إن الشدة المستنصرية ليست مجرد صفحة مأساوية في كتاب التاريخ المصري بل هي مرآة تعكس هشاشة الدولة عندما تتراخى أركانها وتتفكك مؤسساتها وتضيع بوصلتها. كانت تلك المجاعة نموذجًا لما يحدث حين تغيب القيادة الرشيدة ويتحول الجند إلى ملوك، وتُستبدل قيم العدالة بالكيد وتنزلق الدولة إلى متاهات الفوضى واللامسؤولية. سبع سنوات من الجوع والعطش والوباء لم تكن نتيجة كارثة طبيعية مفاجئة بل نتاج إهمال مستمر وصراعات سياسية عمياء، وقرارات إدارية قاتلة.
لقد علّمتنا الشدة المستنصرية أن الأمن الغذائي لا يُبنى على فيضان نهر أو مواسم الحصاد بل على التخطيط، وتوافر المخزون الاستراتيجي ووجود مؤسسات قادرة على التدخل السريع في الأزمات. كما أظهرت أن الدولة التي تفشل في السيطرة على جيشها وتسمح له بأن يتحول إلى قوة فوق القانون، تفقد شرعيتها تدريجيًا وتصبح رهينة لأهواء السلاح وولاءات الخارجين عن النظام.
في زمننا الحاضر ورغم تطور العلم وتقنيات الزراعة والاتصالات فإن التحديات ما زالت قائمة: تغيّر المناخ، أزمات الطاقة، النزاعات المسلحة، والتوترات السياسية. هذه كلها تذكّرنا بأن التاريخ قابل للتكرار إذا لم نستفد من دروسه. وإذا كان الماضي قد شهد أوبئة أبادت مئات الآلاف فإن الحاضر شهد هو الآخر جائحة عالمية مثل كوفيد-19، كشفت عن هشاشة بعض الأنظمة الصحية وأظهرت أهمية الإدارة الرشيدة والتعاون المجتمعي.
الدروس التي تقدمها الشدة المستنصرية للمصريين والعرب كافة هي دروس في الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية والتخطيط الاقتصادي واحترام المؤسسات. كما أن صعود بدر الجمالي في نهاية الأزمة يوضح أن الإرادة السياسية إذا اقترنت بالكفاءة والنزاهة يمكنها أن تعيد إحياء الأوطان حتى من تحت الأنقاض.
اليوم ونحن نعيش في عالم مترابط ومعقّد تزداد الحاجة إلى تفعيل أدوات الإنذار المبكر، وبناء شبكات أمان اجتماعي وتمكين المجتمعات من المشاركة في صنع القرار، حتى لا نكرر المآسي ذاتها. إن الشدة المستنصرية لم تكن حتمًا تاريخيًا بل كانت نتيجة قرارات خاطئة قابلة للتفادي.
فلنُبصر ما خلف الروايات ونتأمل في ما تُخفيه صفحات التاريخ من تنبيهات فالحفاظ على الأوطان لا يكون إلا بالوعي والإرادة والتخطيط الطويل الأمد. والتاريخ كما قال ابن خلدون هو في ظاهره لا يزيد عن إخبار وفي باطنه نظر وتحقيق.
فلعلّ في قصتنا هذه عبرة لمن أراد أن يبني وطنًا لا تهزمه الشدائد ولا تفترسه المجاعات.



















0 Comments